يمرّ النظام الدولي بمرحلة حرجة، وتعيش منظّماته وهياكله، وفي صدارتها الأمم المتحدة، حالة من عدم اليقين، وتواجه أسئلة مصيرية بشأن مستقبلها، وقدرتها على مسايرة التحولات المتسارعة، والأمزجة المتقلبة التي تتجلّى في الأزمات المستجدة، والتجاوز على القانون الدولي، وقواعده الناظمة للعلاقات والمصالح.
مثل هذه الهواجس تفاقمت منذ إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، تشكيل مجلس السلام في غزة، وانضمام عشرات الدول إلى عضويته، وتوقيع ميثاقه التأسيسي، وأنه يهدف إلى «تعزيز الاستقرار، وإعادة إقامة حوكمة موثوقة وشرعية، وضمان سلام دائم في المناطق المتأثرة بالنزاعات، أو المهدّدة بها»، وهذه الأهداف يمكن أن تكمل مهمة الأمم المتحدة، وتعزز دورها، رغم الانتقادات الموجهة إلى هذا المجلس بسبب غموض بعض آليات عمله ومجال تدخله في أزمات خارج قطاع غزة. وبعيداً عن الأحكام المسبقة، ستتضح الصورة أكثر عندما يباشر المجلس وتظهر نتائجه في الواقع الدولي.
منذ أكثر من عامين، تتعرض منظمة الأمم المتحدة لحرب شعواء، وقد فعل المعول الإسرائيلي فعله في تهشيم صورتها، وتدمير رمزيتها وحصانتها، بالعدوان الجائر على غزة، والمجازر غير المسبوقة، وانتهاك القانون الإنساني، واستباحة سيادة دول في الإقليم. وقد ازدادت هذه الحرب شراسة مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، العام الماضي، وانتقاداته المتكرّرة للمنظمة، التي تستضيفها بلاده، ورعت نشأتها الأولى في أتون الحرب العالمية الثانية. وها هي المنظمة الأممية، التي تجاوزت من العمر ثمانين عاماً، بصدد الدخول إلى العناية المركزة مع اتساع التهجّم عليها، والاستخفاف بدورها الحاسم في حفظ الأمن والسلام الدوليّين.
أداء الأمم المتحدة طوال ثمانية عقود لم يكن مثالياً وعادلاً، ولا مقنعاً في كثير من الأحيان، وسبب ذلك لا يعود إلى قصور في ميثاقها، أو خلل في هيكلها القانوني، وإنما بسبب تضارب مهمتها مع مصالح الدول الكبرى، وأولاها الولايات المتحدة الأمريكية، التي اتخذت من هذه المنظمة مطيّة للسياسات التوسعية والانتقائية، وتقسيم العالم وفق رؤية واشنطن، وأهدافها، وليس امتثالاً لروح القانون الأممي الذي لم يعرف التطبيق العادل والمقنع، سواء في الجمعية العامة، أو مجلس الأمن، إلّا في حالات نادرة فرضتها التوازنات، خصوصاً أيام الحرب الباردة.
وقبل اتساع الحملة الحالية على الأمم المتحدة، توالت النداءات، منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، إلى إصلاح هذه المنظمة، وإعادة النظر في هياكلها، خصوصاً بنية مجلس الأمن، والعضوية الدائمة فيه، وتغيير بعض البنود والتشريعات، وترسيخ التمثيل العادل للمجتمع الدولي تأخذ في الاعتبار القوى الصاعدة، والتوازنات الجديدة. ودعوات الإصلاح، تأتي من الإيمان بجدارة الأمم المتحدة بأن تكون المظلة الشرعية والقانونية للعالم، وأن تكون المؤتمنة على حقوق الشعوب في العيش بكرامة وسلام.
أمّا محاولة التضحية بها، والسعي إلى تهميشها، فستخلق فراغاً هائلاً من الصعب على أيّ «مجلس»، أو منظمة أن تملأه، وأن إحداث ثغرة في النظام الدولي، سيؤدي إلى انفجار حروب وصراعات، وعودة للسياسات الاستعمارية الغاشمة، وشيوع المقولات الفاشية المتسلحة بالقوة المتغطرسة. وإذا مازال في هذا العالم عقلانية، وبُعد نظر، فلا يجب الإجهاز على الأمم المتحدة، وإنما إعادة بنائها بما يستجيب لمعايير الحق، والعدالة، وإنسانية الإنسان.