في مثل هذه الأيام، لا تمرّ الذكرى مرور الأرقام، ولا تُقاس الأعوام بعدّها، بل بما أحدثته من أثرٍ عميق في الوجدان، وما صنعته من تحوّلاتٍ راسخة في مسيرة وطن. أربعةٌ وخمسون عاماً مرّت منذ أن تولّى صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، مقاليد الحكم، فكانت الشارقة منذ ذلك اليوم مشروعاً حضارياً متكاملاً، لا يقوم على إدارة الحاضر فحسب، بل على بناء الإنسان وصناعة المستقبل.
لم تكن الشارقة في رؤيتها حبيسة الجغرافيا، ولا أسيرة الإمكانات، بل انطلقت بفكر يؤمن بأن النهضة الحقيقية تبدأ من العقل، وأن الاستثمار الأعمق هو في المعرفة، وأن الثقافة ليست ترفاً، بل ضرورة وجود. ومن هنا، تشكّلت ملامح تجربة حكمٍ فريدة، جعلت من الإمارة نموذجاً يُحتذى في التوازن بين الأصالة والمعاصرة.
وعلى امتداد هذه المسيرة، لم يكن المشروع في الشارقة مشروع أفكارٍ مجردة، بل رؤية تُترجم على الأرض بعدلٍ في التنمية، وإنصافٍ للمكان والإنسان.
وفي هذا السياق، لم تُختزل الرؤية التعليمية في مرحلةٍ بعينها، بل قامت على بناء الإنسان منذ نعومة أظفاره، من الحضانات المجهزة بأحدث وسائل التعليم والرعاية في مختلف مدن ومناطق الإمارة، مروراً بمسارات تعليمية متكاملة، وصولاً إلى الجامعات التي شُيّدت لتكون منصات فكر، ومراكز بحث.
أما الجانب الإنساني في تجربة الحكم، فكان حاضراً في صميم القرار، لا على هامشه.
وفي العمران، لم يكن التطوير شكلاً بلا روح، بل رؤية تحترم التاريخ وتُحاكي الإنسان، فحُفظ التراث، ورُمّمت الذاكرة، وتجاورت البيوت القديمة مع المشاريع الحديثة في انسجامٍ يعكس فلسفة حكمٍ ترى في الماضي جذراً لا عائقاً، وفي الحاضر منصةً للانطلاق لا محطةً للتوقف.
لم يكن الحكم في الشارقة يوماً إدارة ملفاتٍ فقط، بل قيادة فكر، وصناعة وعي، وحماية هوية. ولهذا، صمد المشروع، واستمر، وتجدّد.
اليوم، وبعد أربعة وخمسين عاماً، تقف الشارقة شاهدةً على تجربةٍ استثنائية في الحكم الرشيد، وتجسيدٍ حيّ لمعنى القيادة التي تترك أثراً لا يزول.
وهكذا تمضي الشارقة، كما أراد لها قائدها، مشروعاً حضارياً مستمراً، وموطناً للثقافة، وبيتاً للإنسان.
54 عاماً من بناء الإنسان
27 يناير 2026 00:57 صباحًا
|
آخر تحديث:
27 يناير 00:57 2026
شارك