لقد كان حلم معظم المفكرين والفلاسفة على مدار التاريخ، أن يكون لكل فرد صوته الخاص، وأن يمتلك القدرة على إيصال هذا الصوت، بما يحمله من رأي وهموم وآمال وأحلام، إلى الآخرين، ومرت قرون طويلة حتى تحقق ذلك، بفضل تقنيات التكنولوجيا فائقة الحداثة، وباتت أصوات الأفراد في العالم بأكمله مسموعة، حتى يمكن توصيف عصرنا بأنه زمن «الأصوات المليارية».
ولكن المفارقة هنا أن تلك الأصوات الضخمة لم تخلق إلا أكبر حالة ضجيج عرفها البشر في التاريخ، وهو ضجيج منفلت من عقاله، مصحوب بصراخ وتلوث سمعي وبصري وفكري، ويمكن القول إن مواقع التواصل الاجتماعي لم تنتج سوى «نفايات» لحظية، وكأننا أمام سلة مهملات كونية، لا نلبث أن ننظفها على مدار الساعة حتى تعود فتمتلئ.
الأكثر أهمية من ذلك أن تلك الأصوات المليارية بضجيجها وصخبها طغت على أصوات أصحاب المشاكل الملحة، والآراء الجادة وهمشتها وجعلتها بلا جدوى، والذي يدعو إلى الأسى هنا ونحن نتجول في هذا العالم، أننا لا نتوقف أمام تدوينة لها قيمة أو فيديو يحمل رسالة أو تعليق جاد، ولكننا لا شعورياً نتجاوز كل هذا إلى ما هو سطحي وتافه، وكأن تلك المواقع، ولكن صرحاء، لم تصنع إلا لنشر التفاهة والسطحية، هي خفيفة إلى أقصى حد وعابرة ولا يتبقى منها في الوجدان أو الذاكرة الفردية والجماعية شيء.
هنا نحن أمام سؤالين في غاية الأهمية، الأول يتعلق بحقوق البشر الأساسية، كما فكر فيها ونظّر لها الفلاسفة، ويتمثل السؤال في: هل حرية التعبير متاحة للجميع؟، هل لكل إنسان الحق في أن يقول ما يشاء في الوقت الذي يحلو له؟، وإذا كانت الإجابة بنعم فنحن نمنح شرعية ولو نظرية لكل هذا الصخب، إما إذا كانت الإجابة بلا، فسنقع في فخ الاستبداد والنخبوية والتعالي على البشر، وينتج عن ذلك المأزق أو تلك المفارقة سؤال فرعي آخر ويتمثل في: هل يحق لكل فرد التعبير عن رأيه وهو لا يملك أي مقومات بناء هذا الرأي؟، أي لا يتحلى بأية خلفية معلوماتية أو معرفية، يدافع البعض عن ذلك انطلاقاً من فكرة تقول إن هذا الإنسان سيمتلك مع الوقت تلك المقومات، ويصبح مؤهلاً لكي يدلي برأيه، ولكن الواقع يقول العكس، فمعظم البشر يمتلكون آراءً معدة مسبقاً من دون تفكير أو تمحيص أو إعمال للعقل.
السؤال الثاني المهم في هذا الإطار، إشكالي: هل التفاهة الملاحظة في مواقع التواصل الاجتماعي نتيجة طبيعية للأداة، أي تلك المواقع، أم نتيجة تغيرات أعمق يعيشها البشر منذ عقود وأصابتهم بالسطحية، وبالتالي فتلك التفاهة تعود إلى المستخدم أم المرسل، لا الأداة، بلغة الإعلام، وهنا بالإمكان القول إن الربع الأول من القرن الجديد شهد تحولات فارقة، حيث انتهى عصر الأيديولوجيات والأفكار الكبرى، وبتنا جميعاً أسرى العولمة وملحقاتها من ثقافة صورة أعقبها هيمنة لا مثيل لها لثقافة التحديق في الهاتف المحمول، ما أدى إلى حالة الضجيج الكوني التي نعيشها بسلبياتها كافة.
