الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

يصرخ لبنان بين «كان» و«أصبح»

13 يونيو 2026 00:25 صباحًا | آخر تحديث: 13 يونيو 00:27 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
كان لبنان صاحب تاريخٍ وطناً، أو طنيناً جميلاً، مُقيماً للضيافة وهندسة العلاقات الطبيعية في الأرجاء العربية، وحتى الصحراوية، والأوروبية والعالمية، وصار لبنان واللبنانيون، شيئاً آخر، غريباً، عجيباً، هجيناً، لا ندركه، ونبحث عن تسميته إذ نراه لا ينام، لكأنه يتحضّر للسقوط النهائي في فم الموت.
كانت السلطات فيه أحلاماً طبيعية تكسوها الثلوج، وتبادل الثقافات والضيافات المستوردة، العربية والعالمية، المنتظرة على باب كلّ صيف، وأصبحت، وتُصبح، من يوم لآخر سلاسلَ انهيارات وانقسامات، وجنونٍ، مذهبي وسياسي وطائفي، اهترأت عبرها الآمال، والأحوال، والأجيال، لكأنّي أراه بصفته بقايا أوطان وخطبٍ، في مساحته ال 10452 كلم مربعاً، وعبر رياح الأرض.
كنّا، وأصبحنا وقد افترقت «كانَ» عن أخواتها، باكية على الحاضر أمام فرضية انتظار انهيار السلطات، والخطب، والمنازعات، الطائفية والمذهبية التقليدية، وأصبحنا مسارح هزيلة مطفأة سوداء في العالم، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، أمام وقائع ونصوص وآراء مُرتجلة، ترفع شعارات فرضية انهياراتٍ، اجتماعية وسياسية وأخلاقية، بل أمام تتبّع مشاهد تتراكم فوق عيوننا وأحلامنا، تبعثر لبنان في رياح الأرض، وسقوط مواطنيه مثل لعب مهشمة، ضائعة، مهملة، حائرة لبنانياً، وإقليمياً ودولياً، ملفوفة بضياع مستقبلها، ومستقبل أجيالها، والأحفاد في أقمطتهم.
بين «كان» و«أصبح» ألف سنة مسافات من خرائب، وقتلى، وقحط، وجهل سياسي عامر، وأجيال هجينة، وسلاسل تآمر يتجدّد متعفناً في فهم، أو حتى إدراك الماضي، والحاضر، والمستقبل الوطني، مسافات أراها طويلة ومتعبة، جعلت لبنان في نظر الأجيال مشروع وطن ما اكتمل، ولم يكتمل بعد، لكأنه مُذ وُلد فإنّه كالديك المذبوح أبداً، بحروبه الطائفية، وأفكاره ونصوصه وشعوبه المستوردة، قبل حشوه هذا الصيف، وكل صيف، وطرحه في طنجرة ضغط فوق النار، لكأنه غير صالح للأكل.
لم يكن يخطر في بال مجنون أنّهم سيرمون بقايانا شعوباً متنافرة في فقر، وجوع، وخوف، وهجران، ويزرعون رعباً أبدياً فينا.
هكذا، ما زالت تتزاحم مقولات وحروب الحذف والإلغاء، وادّعاءات التجديد والتطوير، والثورة والتغيير، والأكاذيب، والفشل الديمقراطي. ويتصور هؤلاء أنفسهم، وأمامهم تراكم أغلبية الشعب اللبناني، أحياناً، أنهم أسرى فرضيّات، ووعود، وخطب، ومقابلات إعلامية نظرية، تثبت نفسها باكتشافات طائفية مذهبية مدفوعة متيسّرة للجميع، وهي ليست بحاجة، مطلقاً، إلى أبحاث وجهود وتصويب ونقد، لإثباتها، لأنّ الخبرة في السياسة اللبنانية الهرمة تتوافق مع المواقف المجبولة بالسرقات، والجرائم، وانقسامات المذاهب والطوائف.
نعم، شباب وشابات لبنان يلفظهم وطنهم رفوفاً مهيضة الأجنحة نحو باحات المطارات، ولا مانع من إيقافهم وتقريعهم بارتجاليات رجال الأمن القاسية، وفي هذا وجه أساسي، ربما، من وجوه الريادة في سلخ جلود الشعوب المهيضة، كما في صعوبة انتفاء الصلة المتنامية في لبنان بين اليوم وأمس.
فليقرأوا: تعتمد حركة الشابات والشباب الإقامة في عالم «الأون لاين»، لا تعنيهم كلمة زعمائهم وسحناتهم. ينبذونهم، ولا يعنون لهم شيئاً في سياق الحاضر أو المستقبل، لأنهم، وقد عشنا ونعيش معهم في الجامعات أجيالاً مشرقة، نعم من فصائل «الفئران الذكية المُشرقة» أبداً، ويتجاوزوننا، تفكيراً وتعبيراً وأحلاماً، خصوصاً عندما تُطرح عليهم مسائل خاصة بتاريخ بلدهم، أو بسلوك زعمائهم الطائفيين التقليديين.
تشعر نفسك أمام أجيالٍ تعلمها وتخرّجها لتُغادر فجراً، وكأنهم ولدوا في رحم وطنٍ ليس في حاضرهم ومستقبلهم، ولا في أحلامهم. هم صبايا وشباب يولدون في عالم متشعب من الأبحاث المقننة الدقيقة، والدراسات والفرضيات والتجارب التي يسبقونها دائماً. 
كنّا وأصبحنا، وقد نبقى طويلاً أمام أجيالٍ، هرمة قميئة، لسياسيين ينتظرون، بما لا يوصف بالعربية أو في أيّ لغةٍ أخرى، مساعدات العالم لهم، لكأنّ في ذلك فروضاً وواجبات من الغير، تكريماً لفشلهم وتخريب وطنهم. باقون أبداً، يبشرون بالحروب والانفجارات، لكنهم يلتحقون بعائلاتهم وأبنائهم وأحفادهم بطائراتهم الخاصة عند أيّ خطر، نحو قصورهم المسروقة أثمانها، في أرقى الأحياء من عواصم العالم.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة