مع التطور التكنولوجي المتسارع وتزايد تأثير العالم الرقمي في حياة الأفراد، بات من الطبيعي أن تنعكس هذه التحولات على علاقة الإنسان بالثقافة، فهماً وتلقياً وإنتاجاً. وبين من يرى في التكنولوجيا وسيلة لتوسيع آفاق المعرفة، ومن يخشى أن تكون سبباً في تراجع العمق الثقافي، يبقى السؤال مطروحاً حول ما خسرناه وما ربحناه من هذا التحول.

في هذا الإطار، تحاور«الخليج» الأكاديمية والناقدة الدكتورة بديعة الهاشمي، التي تتحدث عن أثر التكنولوجيا في المشهد الثقافي، وكيف أعادت صياغة علاقة القارئ بالنص والأفكار والإبداع.

* برأيك، هل أسهمت التكنولوجيا في تقريب الناس من الثقافة، أم أنها جعلت العلاقة أكثر سطحية، بحيث تراجع التأمل العميق وغاب الأثر الدائم للنص الأدبي؟

-لقد دخلت التكنولوجيا في جميع مجالات الحياة، والمجال الثقافي واحد من تلك المجالات التي استفادت كثيراً منها. وما من شك في أن الاستخدام الإيجابي لمعطياتها من قبل مُنْتِج الثقافة أو مُستقبِلَها سيترك أثراً فعالاً في العمليّة الإبداعية كلها. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن مفهوم الثقافة واسع جدّاً، فهو من المصطلحات التي تعددت حوله التعريفات والمفاهيم. فإن كان المقصود بالثقافة هنا الإنتاج الأدبي والإبداعي بشكل خاص، فإنني أرى أن العلاقة تعتمد أساساً على جودة النص شكلاً ومضموناً من جهة، ونوعيّة المتلقي من جهة أخرى.

*عشتِ تجربة الكتابة والقراءة قبل ثورة المنصات الرقمية. كيف تغير شعورك تجاه النص والثقافة اليوم، في عصر الاختصار والسرعة؟

-أرى أن النص الأدبي الجيّد يستطيع أن يجد طريقه إلى جمهوره ومتلقيه بأي وسيلة كانت، سواء أكانت وسيلة تقليدية كالكتاب أو المجلة المطبوعة، أو حتى عن طريق المنصات الرقميّة الحديثة. فالمحتوى الأدبي المتميّز في طرحه ومضمونه وتقنياته الفنيّة هو الذي سيبقى في أذهان القرّاء دون شك.

هناك منصات رقميّة ثقافيّة تميّزت بجودة محتواها الأدبي والثقافي، واهتمت بتوفير الكتب والمجلات الثقافيّة والأبحاث العلميّة الرصينة بصورتها الرقميّة والصوتيّة والتفاعليّة، فسهّلت وصولها إلى القرّاء والباحثين بسهولة وفي وقت أسرع، وبذلك استطاعت أن تسهم في تطور الحركة الإبداعيّة والثقافيّة.

* بالحديث عن جودة المحتوى، ومن واقع خبرتك، أين تكمن الفجوة بين الثقافة والجمهور اليوم؟، هل في اللغة التي نستخدمها، أم في المحتوى نفسه، أم في الطريقة التي نوصل بها الأفكار؟

-إن مفهوم الثقافة- كما أسلفت- لا يقتصر على الإنتاج الأدبي والفكري والإبداعي فحسب. فالثقافة مفهوم أنثروبولوجي يشمل السلوكيات والعادات والقوانين والأخلاق، وغيرها من الظواهر التي يكتسبها الإنسان بصفته عضواً في مجتمع ما. وإن كان المعني بالثقافة هنا الكتابة والتأليف والإبداع الفكري والأدبي، فإنني أجد أن الأمر نسبي ومن الصعب أن نحكم على المسألة بهذه البساطة، فنقرّ بأن هناك فجوة بين الإنتاج الأدبي والجمهور من الأساس، وذلك لأنني أرى الإنتاج الأدبي ذاته ليس بمستوى واحد فهو متنوع ومختلف، وهذا ما يفسّر وجود قرّاء وجمهور لكل مستوى من مستويات الكتابة والتأليف.

إيجابية

* بصفتك كاتبة، كيف يمكن للكاتب أن يحافظ في مؤلفاته على العمق الإنساني، وسط متطلبات العصر الرقمي وسرعته؟ وهل بات هذا التوازن أكثر صعوبة في زمن السرعة والتقنية؟

-لا أرى أن الكاتب الذي يشعر بمسؤولية الكتابة، وينطلق من رؤية واضحة وأهداف سليمة، وعلى معرفة بأدوات وتقنيات الفن الأدبي الذي يبدع من خلاله، سيتأثر سلباً من سرعة الإيقاع الرّقمي، بل أتوقّع أنه سيستثمر التقنيات الحديثة ويستفيد منها إيجابياً، من أجل إيصال تجربته الإبداعيّة بطريقة أفضل إلى الجمهور. فالتقنيات الرقميّة وسيلة، بينما التعبير والكتابة هي غاية الكاتب وهدفه.

* برأيك، هل أدّت وفرة المحتوى الثقافي والأدبي اليوم إلى فقدان جزء من قيمته وهيبته وتأثيره على القارئ؟

-وفرة الإنتاج الأدبي في المشهد الراهن ليست بالضرورة مؤشراً على الجودة أو الرداءة، بقدر ما هي انعكاس لحيوية الحركة الثقافية وازدياد إقبال الكتّاب على التأليف في مجالات متعددة، وهنا تبرز الحاجة الملحّة إلى نقدٍ أدبي رصين وموضوعي، يُعيد التوازن للمشهد من خلال قراءته المتأنية لهذه الأعمال، وتقييمها وفق قيمها الفنيّة والفكريّة والثقافيّة، مع الإسهام في توجيه الذائقة العامة ودعم الأعمال الإبداعية الجادّة.

* إلى أي مدى ترين أن التكنولوجيا غيّرت مفهوم القيمة الثقافية في الأدب، بحيث أصبح الانتشار في بعض الأحيان أهم من الجودة؟.

-استطاع الكتّاب– لا سيّما الشباب منهم- - أن يفيدوا من التكنولوجيا ووسائلها المختلفة في إيصال إنتاجاتهم الأدبية إلى الجمهور، وهذا برأيي أمر إيجابي بحد ذاته، بغض النظر عن جودة تلك الأعمال الأدبية أو رداءتها.

ولا يمكن أن ننكر دور التكنولوجيا في تنظيم واستمرار العديد من الفعاليات الثقافيّة، خاصة في فترة الجائحة، على الرغم من بُعد المسافات وصعوبة التواصل بين المثقفين والكتّاب في تلك الفترة. وعموماً لا أرى أن سرعة انتشار المؤلفات والكتب سيشكل خطورة على قيمة الثقافة، طالما أننا نعوّل على وعي القراء والمتلقين.

الجيل الجديد

* لو تحدثتِ إلى الجيل الجديد، كيف تحبين أن يفهم معنى الثقافة؟ كتجربة يعيشها بعيداً عن المحتوى السريع؟

-أقول لهم: إن الثقافة ليست ترفاً، بقدر ما هي أداة للفهم والتحليل، ومسيرة الإنسان في بناء ثقافته ومعرفته طويلة ومستمرة وتتطلب صبراً ومداومة، تبدأ بخطوات بسيطة وتنمو مع الإنسان في كل مراحل حياته. استفيدوا من التكنولوجيا بوصفها إحدى أدوات الوصول إلى المعرفة، لا بديلاً عنها، فالقراءة هي المدخل الأساسي لبناء الثقافة العميقة والسليمة، واحرصوا على تنويع قراءاتكم بين الأدب والفكر والتاريخ والعلوم وغيرها. كما أشدد على ألا يكتفوا بالمحتوى السريع أو المقاطع والمقتطفات المجزوءة المتوفرة على المنصات الرقمية، ولا يجعلوها هي المصدر الوحيد للمعرفة، بل لتكن منطلقاً للبحث والتثبّت والتوسع في القراءة العميقة المتخصصة من المصادر الموثوقة، فالقراءة المتعمّقة تبني القدرة على التحليل وتنمي اللغة وتهذّب الذّائقة.

وأقول لهم كذلك: إن اللغة القويّة تعني فكراً واضحاً، فاحرصوا على إتقان لغتكم العربيّة قراءة وكتابة، وتعلموا لغات أخرى إن استطعتم، فذلك يفتح لكم آفاقاً معرفيّة أوسع.