الخليج والجنوب العربي- وحدة البحر والمصير:
ارتبطت منطقة الخليج العربي والجنوب العربي منذ القدم بروابط تاريخية وحضارية وروحية عميقة، صنعتها الجغرافيا ووحّدها البحر. فقد شكّلت الموانئ الخليجية مراكز حيوية للحركة البحرية، حيث جابت الأبوام وغيرها من السفن مياه الخليج والمحيط، ناقلةً البشر والبضائع والأفكار، وموصِلةً هذه المنطقة بموانئ الهند وإيران وشرق إفريقيا.
في تلك الحقبة، لم يكن البحر مجرد طريق للتجارة، بل كان جسراً حضارياً نقل القيم والعلاقات الإنسانية، وأسّس لشعور مشترك بالانتماء والمصير الواحد.
* أولاً - اكتشاف النفط وبداية الدور الحضاري الكويتي:
مع اكتشاف النفط في دولة الكويت عام 1938، دخلت البلاد مرحلة جديدة من التحول التاريخي، لم تقتصر على التنمية الاقتصادية، بل امتدت إلى مشروع حضاري متكامل. فقد احتضنت الكويت منذ بدايات نهضتها كفاءات عربية بارزة من مصر وسوريا ولبنان والعراق، إلى جانب مفكرين وعلماء ومثقفين وفنانين وإعلاميين من مختلف أنحاء الوطن العربي.
هؤلاء لم يكونوا مجرد موظفين أو ضيوف، بل شركاء حقيقيون في بناء تجربة ثقافية ومعرفية فريدة، جعلت من الكويت قبلة للعلم والفكر والإبداع، ومنارةً مضيئة في محيطها الخليجي والعربي.
وفي الوقت ذاته، قصدها كثير من أبناء الخليج والجنوب العربي طلباً للعمل وكسب العيش، فكانت الكويت بيتاً عربياً واسعاً احتضن الجميع بكرم ومسؤولية.
* ثانياً - الاستقلال وحضور الدولة المؤثر:
في عام 1961، حصلت الكويت على استقلالها عن بريطانيا، لتبدأ مرحلة جديدة كدولة ذات سيادة وحضور طاغٍ في الإقليم والعالم.
ولم تنكفئ الكويت على ذاتها، بل بادرت منذ العام التالي مباشرة، أي عام 1962، إلى مدّ يد العون لأشقائها في الخليج والجنوب العربي.
فأسست المدارس والمستشفيات، وزوّدتها بالتجهيزات الحديثة، والمعلمين، والمناهج، والملابس، والوجبات الغذائية، إيماناً منها بأن بناء الإنسان هو المدخل الحقيقي لبناء الأوطان. وكان لدولة الإمارات نصيب وافر من هذا الدعم الأخوي الصادق، الذي ترك أثراً عميقاً في الذاكرة الوطنية والإنسانية.
* ثالثاً - مركز إشعاع فكري وثقافي عربي:
تزامن هذا الدور مع ذروة الحراك الفكري والسياسي القومي واليساري في العالم العربي، فكانت الكويت مركز إشعاع فكري وثقافي وإعلامي وفني بامتياز. منها انطلقت الصحف، والمجلات، والمسرح، والأغنية، والفكر السياسي، لتضيء فضاء الخليج والجنوب العربي بأكمله، وتقود تحولات فكرية عميقة أسهمت في نهضة المنطقة.
ولعل من أبرز الشواهد على هذا الدور أن حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) تأسست في الكويت عام 1957 على يد مجموعة من المغتربين الفلسطينيين، في مقدمتهم ياسر عرفات، وخليل الوزير، وصلاح خلف، قبل أن تعلن انطلاقتها الفعلية عام 1965، ما يؤكد مكانة الكويت كحاضنة للقضايا العربية الكبرى.
* رابعاً - الإمارات والكويت.. علاقة وفاء ووعي مشترك:
وانطلاقاً من هذا الإرث الحضاري والإنساني، أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة أن الفترة ابتداءً من 29 يناير/كانون الثاني ولمدة أسبوع ستكون مناسبة للاحتفاء بالعلاقات المتميزة مع دولة الكويت، وتثميناً لدورها الحضاري الرائد في المنطقة.
وهو احتفاء لا ينطلق من المجاملة، بل من وعي تاريخي عميق، وإدراك مشترك بأن ما يجمع البلدين يتجاوز السياسة إلى القيم، ويتخطى المصالح إلى الأخوة، ويؤسس لمستقبل خليجي أكثر تماسكاً وإنسانية.
كلمة أخيرة.. إن استحضار الدور الكويتي ليس استعادة للماضي من باب الحنين، بل قراءة واعية لتجربة عربية ناجحة آمنت بالإنسان، وراكمت المعرفة، وامتلكت شجاعة الريادة.
وفي زمن التحولات الكبرى، تبقى الكويت، كما كانت دائماً، منارة الخليج والجنوب العربي الحضارية، ويبقى احتفاء الإمارات بها تعبيراً عن وفاء الكبار لبعضهم البعض.