في كل مرة يعود فيها التوتر إلى المنطقة يحبس العالم أنفاسه خشية خروج الوضع على السيطرة، وتدهوره إلى عواقب وخيمة لا يريدها أحد. ومرة أخرى أيضاً، يتفجر التصعيد بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وسط تهديدات متبادلة وحشود عسكرية، يسابقها حراك دبلوماسي إقليمي ودولي لتفادي مواجهة شاملة، ولترجيح كفة السلام على الحرب.
في يونيو الماضي خاضت إيران وإسرائيل، بدعم أمريكي، معركة استمرت 12 يوماً ووضعت الإقليم كله على حافة هاوية، وفي لحظة ما تغلبت الحكمة وانتهت تلك الحرب وتنفست شعوب المنطقة الصعداء، وساد اعتقاد بأن تلك الصفحة المخيفة طويت، وأن الدبلوماسية الإيجابية ستعالج القضايا الخلافية وأن الخيار العسكري ثبت فشله، ولكن يبدو أن هناك أطرافاً خبيثة تعادي الاستقرار وتعتاش على الصراعات والتوترات وتسعى إلى الدفع بالمنطقة إلى أتون حرب مدمرة المنتصر فيها خاسر. أما تداعياتها الخطرة وتهديداتها لمصالح قوى دولية أخرى فقد تشكل بحد ذاتها تحديات جسيمة أمام الأمن والسلام في العالم.
الجانب الأمريكي لديه أهداف، صريحة وغامضة، في إيران، منها البحث عن صفقة جديدة بشأن برنامجها النووي، ومطالب بالحد من قوتها الصاروخية، وصولاً إلى قضايا تتصل بالشأن الداخلي مثل الاضطرابات الأخيرة التي شهدتها معظم أنحاء إيران احتجاجاً على غلاء المعيشة وتدهور قيمة العملة المحلية بسبب العقوبات الاقتصادية القاسية المستمرة منذ عقود.
وكانت تلك الاحتجاجات، التي لا تخلو من شوائب، محطة في مسار التوتر المتصاعد ونتيجة لفشل المساعي الدبلوماسية في تليين الشروط المتصلبة بين واشنطن وطهران لفتح حوار مُجدٍ وبناء. وبينما يتمسك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسياسة «دبلوماسية البوارج» والتلويح بالخيار العسكري «بسرعة وعنف» إذا لزم الأمر، تعلن إيران أنها تريد مفاوضات تحفظ مصالحها، ولا تسعى للحرب إلا إذا فرضت عليها، بينما تقف المنطقة عالقة وسط هذا الوضع الحرج، وسط آمال بأن تنجح «دبلوماسية اللحظة الأخيرة» في تهدئة التوتر الإقليمي وإبعاد شبح الحرب، التي لن تكون في مصلحة أي طرف، وخصوصاً دول المنطقة الطامحة دائماً إلى الاستقرار والبناء والازدهار.
قبل نحو أربعة أشهر تم التوصل إلى اتفاق أنهى العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وطرح ترامب خطة للسلام لقيت الترحيب والقبول، رغم تعثر تنفيذها وغموض كثير من أهدافها. وكان المنطلق من إنهاء الحرب في غزة بداية تدشين عهد جديد للسلام يسود فيه الحوار لحل القضايا والخلافات. ولن يستقيم هذا المنطق، إذا تم إنهاء الحرب في منطقة وإشعالها في أخرى بالنظر إلى تشابك الأزمات بين اللاعبين أنفسهم هنا وهناك، وهو ما ينذر بصراع واسع النطاق تصعب السيطرة عليه.
منذ نحو 80 عاماً عاشت المنطقة فترات صعبة ومصيرية وخرجت منها بسلام نسبياً. وهذه الأيام تعيش مجدداً «فترة قلق قصوى». ورغم المخاوف، مازال هناك أمل بأن تعود جميع الأطراف إلى الرشد بفعل المساعي الخيرة التي تبذلها دول ومنظمات في المنطقة، إيماناً بأن لا خير في الحرب، بل الخير في السلام والحفاظ على مكتسبات الدول والشعوب واستقرار العالم أيضاً.