لم يعد أمام إيران متسعٌ من الوقت لمزيد من المناورات والمراوغات والعبث بالاقتصاد الدولي من خلال استخدام مضيق هرمز وسيلة للابتزاز، والتهرب من مفاوضات تؤدي إلى تسوية سلمية للملفات النووية والبرامج الصاروخية، التي باتت تؤرّق الجميع، وتهدد السلم في المنطقة والعالم، وتعرّض الأمن والاستقرار في دول الخليج للخطر، بعدما شهدت صنوفاً متعددة من اعتداءات إيران السافرة طيلة الأسابيع القليلة الماضية.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن التوصل إلى اتفاق مع إيران لاستئناف المفاوضات، بعدما كان أعلن تعليق «مشروع الحرية» لإعادة فتح مضيق هرمز، وقال «بافتراض أن إيران وافقت على الالتزام بما تم الاتفاق عليه، وهو افتراض كبير، ستنتهي عملية ملحمة الغضب الأسطورية بالفعل، وسيسمح الحصار الفعّال بفتح مضيق هرمز أمام الجميع، ومن بينهم إيران». لكنه أضاف «إذا لم توافق، سيبدأ القصف، وسيكون للأسف على مستوى وكثافة أعلى بكثير مما كان عليه من قبل». وأشار إلى أن قرار تعليق عملية «مشروع الحرية» جاء بطلب من باكستان ودول أخرى، إلى جانب «إحراز تقدم كبير» في المحادثات.
أراد ترامب أن يمد حبل النجاة لإيران، فإما تعود إلى طاولة المفاوضات، وإما تواجه غضباً أشد وأقسى مما شهدته خلال حرب الأربعين يوماً، وهو بذلك يوفر فرصة ذهبية للنظام الإيراني كي يستغلها ويقبل بما تم الاتفاق عليه، خصوصاً أن الاستعدادات العسكرية الأمريكية البحرية والجوية في المنطقة اكتملت من ناحية الجهوزية للعمل في حال اختارت طهران المماطلة أو التلكؤ.
ووفقاً لما تسرب من معلومات، فإن واشنطن تنتظر رداً نهائياً من طهران خلال الـ48 ساعة المقبلة. وأفاد مسؤولون أمريكيون بوجود «مذكرة تفاهم» من صفحة واحدة تتضمن 14 نقطة تهدف إلى إنهاء الحرب ووضع إطار عمل لمفاوضات نووية أكثر تفصيلاً، على أن تمتد إلى 30 يوماً للتوصل إلى اتفاق تفصيلي بشأن البرنامج النووي وآلية فتح مضيق هرمز.. فيما نقل موقع «إكسيوس» عن مسؤولين أمريكيين أن الاتفاق سيلزم إيران بتجميد تخصيب اليورانيوم، مقابل موافقة الولايات المتحدة على رفع عقوباتها، والإفراج عن مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المجمدة، كما سيرفع الطرفان القيود المفروضة على عبور مضيق هرمز.
لم يتم حتى الآن الاتفاق على التفاصيل النهائية، لكن فرص إنجاز الاتفاق وصلت إلى أعلى مستوياتها منذ بداية الحرب، رغم استمرار الخلافات بشأن مدة تعليق التخصيب وآلية الرقابة على المنشآت النووية الإيرانية، وهذا أمرٌ يحتاج إلى وقت؛ إذ أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن التوصل إلى اتفاق نهائي «لن يحدث في يوم واحد»، مؤكداً أن الملف لا يزال معقداً، ويتطلب مزيداً من التفاهمات بين الطرفين، لذلك فإن المفاوضات قد تمتد إلى ثلاثين يوماً.
الكرة باتت الآن في الملعب الإيراني، وعلى النظام هناك أن يحسم أمره خلال ساعات، فإما أن يستغل الفرصة ويبدأ مفاوضات جدية، وإما أن يواجه عواقب وخيمة سوف تكون كارثية عليه وعلى الشعب الإيراني.
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أعلن من بكين، التي زارها أمس واجتمع إلى وزير خارجيتها وانغ يي، أن بلاده لن تقبل سوى باتفاق عادل وشامل في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة.. وها هي الفرصة باتت سانحة لاستغلالها.