في الوقت الذي تتنافس فيه الدول المتقدمة على جذب الكفاءات والمستثمرين، شددت اليابان شروط منح التأشيرات لفئة «مدير أعمال»، خشية تزايد ظاهرة الشركات الوهمية، فقد رفعت رسوم التأشيرة من 5 ملايين ين إلى 30 مليون ين، إلى جانب تشديد التدقيق في متطلبات التوظيف، والقدرة على تعلم وإجادة اللغة اليابانية، والخلفية المهنية أو التعليمية، ومراجعة خطط الشركات، ما يشكّل حاجزًا جديدًا حادًا أمام الشركات الناشئة الأجنبية، التي تقول اليابان إنها تريدها وتحتاج إليها.
وُضعت صفة الإقامة «مدير أعمال» أساسًا للأجانب، الذين يؤسسون ويديرون أعمالًا في اليابان لا للمستثمرين السلبيين.
في عام 2024، تضاعف عدد حاملي تأشيرة مدير أعمال أكثر من مرتين ليصل إلى 41600 شخص، ارتفاعًا من 18100 في عام 2015، وظل الحصول على هذه الصفة أحد المسارات القانونية الرئيسية لروّاد الأعمال الراغبين في الإقامة في اليابان أثناء إدارة شركاتهم.
- مؤيدو التعديلات
يرى مؤيدو التعديلات أن التغييرات ليست إقصائية، بل تمثل مرشحًا للجودة يهدف إلى الحد من إساءة الاستخدام، وضمان امتلاك المتقدمين القدرة التشغيلية لإدارة أعمال حقيقية.
وتشير تقارير إلى أن أحد العوامل التي دفعت المسؤولين إلى مراجعة السياسة، هو تزايد عدد الشركات الوهمية وحالات إساءة استخدام التأشيرات، رغم أن وكالة خدمات الهجرة لم تنشر بيانات عامة عن حالات الاحتيال.
المشكلة الجوهرية هي أن رأس المال يُستخدم بوصفه بديلًا عن الشرعية، ما يستبعد أصحاب الأعمال الصغيرة المحتملين على مستوى المجتمع المحلي، الذين غالبًا ما يوفرون وظائف محلية وخدمات لسكان الأحياء، وتعتبر مثل هذه الاستثمارات حاسمة للتنمية الإقليمية، ومع ذلك قد تُرفض مباشرة، بسبب شرط رأس المال الجديد.
وللمقارنة تملك نحو 4% فقط من الشركات المرتبطة حاليًا بالتأشيرة، رأس مال يتجاوز 30 مليون ين.
كما تفرض العملية الجديدة وقتًا وتكاليف إعداد إضافية. ووفق الإرشادات السابقة، يُنصح المتقدمون بتخصيص شهر على الأقل للتحضير والمراجعات، وثلاثة أشهر على الأقل لمعالجة طلب الهجرة.
- تشديد التحقق
من المرجح أن يؤدي تشديد التحقق من خطط الأعمال ومتطلبات الإثبات الإضافية إلى إطالة الجدول الزمني، وهو أمر بالغ الأهمية لأن كلفة الانتظار قد تكون باهظة بالنسبة لمؤسسي الشركات الصغيرة ذوي السيولة المحدودة.
ويقدّر مختصون أن تأسيس شركة والحصول على تأشيرة—باستثناء شرط رأس المال—سيكلف الآن نحو 800 ألف ين أو أكثر.
وبينما قد يثني هذا التغيير في السياسة أصحاب الطلبات ضعيفة المضمون، فإنه يهدد أيضًا بإقصاء مشغّلين صغار شرعيين، ما يثير التساؤل عما إذا كان يمكن تحقيق الامتثال عبر عمليات تفتيش موجهة، بدلًا من رفع موحّد لسقف رأس المال.
كما أن تشديد المواقف بشأن ترتيبات المكاتب المقبولة، يعني أن النماذج «الشكلية»—مثل تسجيل مقر السكن بوصفه مكتبًا—أصبحت أقل قابلية، ما يرفع التكاليف الثابتة على مؤسسي الأعمال الصغيرة.
وبمجموع هذه التغييرات، قد لا تكون إقصائية من حيث النية، لكنها إقصائية من حيث الأثر، وفي السنوات المقبلة، ولا سيما مع رئيس وزراء أكثر محافظة ونزعة قومية، يُرجّح أن تصبح اليابان سوقًا لاحقة لا قاعدة انطلاق لروّاد الأعمال الصغار والمؤسسين.
وتصدر اليابان تأشيرة للشركات الناشئة تهدف إلى تمهيد الطريق نحو صفة «مدير أعمال»، لكنها تتضمن مراجعات متعددة الطبقات من الحكومات المحلية وسلطات الهجرة، وتمنح فترة قصيرة فقط، مع اشتراط استيفاء متطلبات مدير أعمال خلال نافذة زمنية محدودة.
- ملاذ بديل
بالنسبة للشركات الصغيرة، التي تُدفع خارج اليابان بسبب القواعد الجديدة، غالبًا ما تكون هونغ كونغ البديل الأكثر جاذبية، فعلى عكس العتبة الموحدة لرأس المال في اليابان، يتيح مسار روّاد الأعمال في هونغ كونغ للنماذج الخفيفة الأصول إثبات المصداقية، عبر منطق الأعمال والجاهزية التشغيلية.
تشدد الإرشادات الرسمية هناك على خطط الأعمال، وتحليل السوق، والجدوى العامة، بدل رقم استثمار ثابت بحد أدنى واحد، ورغم أن المتقدمين مطالبون بإثبات ملاءة مالية كافية لدعم العمليات، لا يوجد حد أدنى لرأس المال تفرضه سلطات هونغ كونغ.
أما بالنسبة لمؤسسي خدمات التقنية والتجارة الإلكترونية العابرة للحدود، فتقدم سنغافورة جاذبية مختلفة، إذ يمنح إطار تأشيرات «إنتر باس» وزنًا أكبر للقدرات القابلة للتحقق، وقابلية التوسع، والملكية الفكرية، بدل دفع مبلغ كبير مقدمًا، وإن كان لا ينطبق على الأعمال الصغيرة التقليدية مثل المقاهي.
وبالمحصلة، تتمتع هونغ كونغ وسنغافورة بموقع قوي يؤهلهما لأن تصبحا الوجهة الأولى للشركات الصغيرة عالية النمو، التي تنفرها تشديدات تأشيرة مدير أعمال في اليابان.
في النهاية، سوف تحول السياسة الجديدة دون جذب روّاد الأعمال الذين تقول اليابان غالبًا إنها تريدهم: وهم مؤسسو شركات يبدأون صغارًا، ثم يندمجون محليًا ويتوسعون بمسؤولية، وعندما تكون الخطوة الأولى مكلفة بما يعادل دفعة مقدمة لشراء منزل، سوف يقرر كثيرون أن تكون خطوتهم الجدية الأولى في مكان آخر.