أعرب عدد من الشعراء والباحثين عن سعادتهم بانطلاقة دورة جديدة من مهرجان الشارقة للشعر النبطي، وأشاروا إلى أن القصيدة الشعبية ظلت هي الأقرب للوجدان في العديد من الدول العربية، وأن الاهتمام بها هو حفظ للتراث وصون للهوية واعتزاز بالدور الكبير الذي ظل يقوم به الشعر النبطي والشعبي في حياة الشعوب العربية، فالقصيدة الشعبية ليست منغلقة على الماضي بل حاضرة بقوة في المشهد الثقافي والاجتماعي الراهن، مشيدين بالدور الكبير الذي ظلت تلعبه الشارقة على مستوى مؤسساتها المختلفة في دائرة الثقافة ومجلس الحيرة الأدبي في تطوير الشعر الشعبي.

«رعاية الموروث الشعبي والاهتمام به ليس غريباً على الشارقة التي صارت مركزاً ثقافياً مشعاً يهتم بكل الأشكال الأدبية والفنية وعلى رأسها الشعر»، بتلك الكلمات تحدث الشاعر ماجد المنهالي عن المهرجان وعن الشعر الشعبي الذي وصفه بأنه جزء لا يتجزأ من النظم الفصيح في كل الدول العربية.

وذكر المنهالي أن القصيدة النبطية سواء في الإمارات أو مصر أو السودان ومختلف الدول العربية، لا تنفصل عن القصيدة الفصيحة، ولابد من رعايتها وتطويرها والنهوض بها، لكونها تمثل إبداعاً يعبر عن المجتمع وعن الواقع والبيئة المحلية لكل هذه البلدان.

ولفت المنهالي إلى أن الاهتمام بالموروث الشعبي أضحى شأناً عالمياً، فجميع شعوب العالم باتت تهتم بأدبها الشعبي في كل المجالات، وظل علماء اللغة واللسانيات يبدون حرصهم ويبذلون جهدهم في تطوير اللغة والإبداعات الشعبية المرتبطة بها من شعر وفنون أدبية أخرى.

وأشار المنهالي إلى أن إمارة الشارقة ظلت سباقاً في قضية الاهتمام باللغة ومفردات التراث المختلفة في البيئة المحلية وعلى رأسها الشعر وذلك من خلال مراكز ومناشط كثيرة ومختلفة، ضمن سياق الاهتمام بالهوية والتراث، وعلى رأس ذلك النشاط يبرز مهرجان الشارقة للشعر الشعبي كعلامة مهمة في مشروع الشارقة الثقافي.

وأكد المنهالي على أهمية أن يكون الشعر جزاً من حياة النشء، فمن أجل بناء ثقافة عربية، لابد أن يكون هناك دعم واهتمام خاص بالحراك الشعري بصفة عامة وبالشعبي بشكل خاص، وذلك من أجل ضمان عدم الابتعاد عن الإرث الحضاري الكبير، وهنا تبرز أهمية المهرجان والأنشطة الثقافية المختلفة، حيث بات المهرجان من ضمن أهم الركائز في ذلك الشأن.

مواقع التواصل

الشاعر والإعلامي عيضة بن مسعود، أكد على أهمية المهرجانات الشعرية ككل في إحياء الساحة الأدبية والثقافية وتحريك الراكد خاصة في ظل هذه الهيمنة الشديدة لمواقع التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا الرقمية، حيث بات الجميع منشغلاً بها لدرجة قل الاهتمام الجماهيري بالشعر والأدب، ليكون «الشارقة للشعر النبطي»، مركزاً مهماً ومشعاً بالقصيد يعيد الألق للشعر والاهتمام به والإقبال عليه من قبل الجمهور، خاصة أن فعاليات هذا المهرجان باتت تجد صدىً كبيراً وتحظى بتغطية حتى على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي.

المهرجان، وفق عيضة، يؤكد على أن للشعر الشعبي رواده الذين يهتمون به ويريدون له أن يكون حاضراً ومتواجداً، حيث ظلت مؤسسات الشارقة خاصة مجلس الحيرة ودائرة الثقافة تبذل جهوداً جبارة في إنجاح هذا المهرجان في كل دورة جديدة، وهو الأمر الذي عزز من مكانة هذه المنصة لدى جمهور القصيدة النبطية والشعبية، كما ظل المهرجان يبحث في كل مرة عن أفق جديد للشعر من خلال الندوات والفعاليات المختلفة.

لقد ظل المهرجان يعمل عبر كل تلك السنوات بكل جد واجتهاد من أجل أن تلمع نجوم جديدة في سماء الشعر الشعبي، وبالفعل برزت العديد من الأسماء التي أنجبها هذا المهرجان وذلك يمثل رافداً مهماً لحركة الشعر النبطي واستمراريته، كما أن المهرجان يمثل نقطة لقاء بين جميع الشعراء الشعبيين من مختلف دول العالم العربي يتحاورون ويتناقشون حول القصيدة والموروث.

ونوه عيضة بأن أهم فعاليات المهرجان تتمثل في الندوات واللقاءات الفكرية والتكريمية التي تسهم في إحياء الشعر، وإبراز الجوانب غير المضيئة عبر عملية النقد، وإثراء الثقافة الشعرية من خلال المواضيع التي تطرح في كل دورة جديدة من المهرجان، وهو أمر له أهميته الكبيرة في الدفع بالحراك الشعري الشعبي نحو ضفاف جديدة.

شارك عيضة في دورات مختلفة من المهرجان من خلال إلقاء الشعر، وعبر الندوات والأنشطة الأخرى التي تطور من الأدوات الكتابية، كما أن اللقاءات التي تتم بين الشعراء والباحثين تدفع بالقصيدة الشعبية إلى الأمام وتسهم في تنويع أغراضها.

ترياق

«هو المهرجان الأبرز والأهم في الخليج والمنطقة العربية في ما يتعلق بتشجيع ودعم وتطوير الشعر النبطي، واستطاع عبر الدورات المتعاقبة استقطاب أعداد كبيرة من الشعراء الشعبيين حول العالم العربي الذين باتوا يتجمعون في كل عام تحت سقف ومظلة واحدة أصبحت هي شريان الحراك الشعري النبطي والشعبي العربي»، هكذا تحدث الشاعر خلفان بن نعمان الكعبي الذي تناول دور المهرجان في حماية هذا الإبداع الشعبي المتواصل مع التراث من الاندثار نسبة للقيمة الكبيرة التي يمثلها اليوم.

باتت الشارقة، كما يذهب الكعبي، من أهم المراكز العربية بل والعالمية التي تدعم البحوث في مجال التراث ومنها الشعر الشعبي، وهذا المهرجان هو بمثابة تظاهرة أدبية كبرى تجسد طموح الشعراء وتجدد التزامهم بهذا الإبداع وعدم الانصراف عنه لما يجدون من تكريم واهتمام ودعم متواصل، ولولا مثل هذا الدعم لترك الكثير منهم نظم الشعر، ولكن الشارقة تعلم جيداً أهمية هذا النوع الأدبي في حياة الشعوب العربية كجسر يربط بين الماضي والحاضر ويحمي الهوية ويقف كترياق ضد المؤثرات الثقافية الأخرى.

ويرى عيضة أن ما يفتقده الشعراء الشعبيون والنبطيون بحق هو مثل هذا الاهتمام وتلك المناسبات والمهرجانات والمنصات التي تدير شؤون الحراك الشعري الشعبي الذي يرتبط بوجدان الشعوب ويظهر بشكل جلي في عاداتهم وتقاليدهم وممارساتهم الطقسية واحتفالاتهم، لذلك كان من المهم وجود مثل هذه المنصات التي من الضروري أن تعمم في كثير من البلدان الخليجية والعربية لما تلعبه من دور أساسي في استمرار مسيرة القصيدة الشعبية.

تلعب مثل هذه المهرجانات، دور الحاضنة التي تحافظ على القصيدة الشعبية، بل وتتجاوز ذلك نحو أن يصبح الشعر أسلوب حياة، فالأنشطة المصاحبة للمهرجان، تعنى كثيراً بتطوير القصيدة، وفي هذه المناسبة الكبيرة يلتقي الشعراء من دول عدة فيتعرفون إلى الألوان والأشكال المختلفة من الشعر الشعبي الذي يختلف على مستوى أساليبه من دولة لأخرى.

تلاقي الثقافات

الشاعر ربيع الزعابي وصف المهرجان، بالمساحة الشعرية التي تقدم كل ما هو جديد من تيارات وأغراض وأنواع شعرية، وتسطع في فضائها نجوم جديدة كذلك من الشعراء الذين يتوقون لتقديم عطائهم وتجربتهم في منصة لها اعتبارها ومكانتها، فلا عجب أن تصبح الشارقة في مثل هذا الوقت من كل عام قبلة لكل المبدعين في الشعر الشعبي من جميع الدول العربية.

يذهب الزعابي إلى أن المهرجان صار منصة تدافع عن الشعر النبطي وتحول دون اندثاره وموته، فهو سيظل حياً طالما أن هناك شعراء يقرضونه ويكتبونه، وطالما أن هناك مؤسسات تقف وراءه وجمهوراً يحبه ويعشقه، وكذلك طالما أنه يعبر عن المجتمعات الشعبية في كل أحوالها من أفراح وأتراح وغير ذلك، ولأنه أيضاً يعبر عن قيم إنسانية خالدة، وتلك هي المعاني التي يمثلها هذا المهرجان فكان النجاح نصيبه من دورة لأخرى.

المهرجان منصة كبيرة لتلاقي الثقافات الشعرية الشعبية في كل الساحة العربية، فالشعر الشعبي في حقيقته هو موروث متنقل تحتفي به الدول العربية كما تحتفي بسائر موروثاتها، ليكون المهرجان بمثابة فضاء ومكان لاستعراض تلك الموروثات المختلفة التي يجسدها الشعر الشعبي.

إن التكريم الذي يجده الشعراء، في نظر عيضة، هو بمثابة تكريم لكل الشعراء القابضين على جمر القصيدة الشعبية في كل العالم العربي، وهو المحفز لاستمرار رسالة الشعر والشعراء، ولعل اللافت، أن المهرجان يكرم المبدعين وهم أحياء وفي ذلك معان كثيرة وقيمة عظيمة.

وتعتبر طباعة الدواوين الشعرية للمشاركين في المهرجان إحدى المكاسب الكبرى، إذ كان الكثير من الشعراء يعتمدون على تسجيل قصائدهم صوتياً وحفظها في ملفات صوتية.

مسيرة عطاء

من جانبه، أكد د. سالم الطنيجي، المحاضر في الجامعة القاسمية في الشارقة والباحث في مجال التراث، على أهمية المهرجان الذي يعد من أهم المنصات الثقافية في الوطن العربي، وظل ينطلق بشعارات مختلفة تحمل إشارة مهمة للدور الذي تلعبه القصيدة الشعبية في المجتمع في الماضي والحاضر، إذ إنها مسيرة متواصلة لم تنقطع وما زال عطاؤها مستمراً، وذلك بفضل الاهتمام الكبير الذي توليه الدولة للموروث الشعبي، خاصة إمارة الشارقة وهي تقدم للعالم العربي ككل هذا المهرجان الذي بات يحتل مكانة كبيرة في قلوب عشاق القصيدة الشعبية.

ومن ضمن أهم أهداف هذا المهرجان، كما يذهب الطنيجي، الحفاظ على التراث في واحد من أهم ميادينه وهو الشعر الشعبي الذي يعبر عن البيئة والواقع والموروث والقيم النبيلة والأخلاق الفاضلة التي تشكل الهوية، ولذلك كان جديراً بأن يجد كل هذا الاهتمام والزخم الكبير، حيث يحفل، إلى جانب الأمسيات، بالكثير من الأنشطة التي تثقف بواقع القصيدة وتعمل على تطويرها.

والمهرجان بمثابة فرصة سانحة لكل الشعراء الشعبيين من مختلف أنحاء الوطن العربي من أجل تبادل الخبرات والآراء حول القصيدة الشعبية وهمومها وشواغلها، فهذه المنصة تعمل على عرض أعمال الشعراء وتطوير مهاراتهم، كما تسهم في نشر الثقافة والوعي بأهمية الشعر الشعبي وتكوين أرضية أكبر وجمهور أوسع له.

ونوه الطنيجي بأثر المهرجان حيث يساهم في تعزيز مكانة الشعر في المجتمع، واكتشاف المواهب الشعرية الجديدة ودعمها، كما أنه يعمل على توثيق الروابط الثقافية بين الشعراء من مختلف أنحاء الوطن العربي، وذلك الأمر يعزز من مكانته في كل دورة جديدة.