الشارقة: «الخليج»
تنظم مؤسسة الشارقة للفنون، ضمن برنامجها لربيع 2026، المعرض الفردي «ما يأتي عليه الزمان... يُبقي عليه الزمن» للفنان خورخي تقلا، والذي يُقام في ساحة المريجة خلال الفترة من 8 فبراير/ شباط الجاري وحتى 7 يونيو/ حزيران المقبل. والمعرض من تقييم سمو الشيخة حور القاسمي، رئيس المؤسسة، بالتعاون مع عبدالله الجناحي، القيّم المساعد في المؤسسة، ويقدّم للزوار تجربة فنية تأملية تضعهم أمام أسئلة مفتوحة حول العنف، والزمن، وما يبقى من الإنسان في مواجهة الخراب.
يُعدّ هذا المعرض الأوسع من نوعه في مسيرة الفنان، إذ يقدّم قراءة شاملة لتجربة امتدت لعقود، ظلّ خلالها تقلا منشغلاً بأسئلة العنف، والذاكرة، والسلطة، وكيفية تمثيل المعاناة الإنسانية بصرياً.
يحيل عنوان المعرض إلى عبارة للشاعر ت. س. إليوت، في استدعاء شعري يختزل علاقة الزمن بالخراب، وبما يبقى منه في الذاكرة، وينقسم المعرض إلى ثمانية أجزاء، لا بوصفها تسلسلاً زمنياً فحسب، بل كمسارات فكرية وبصرية تتقاطع فيها الجغرافيا بالتاريخ، والصورة بالذاكرة، والحدث السياسي بتأثيراته طويلة الأمد. ومن خلال هذه الأجزاء، يتصدّى تقلا للتراتبيات المفترضة التي تحكم النظر إلى الألم الإنساني، وللثنائيات المبسطة التي تفصل بين الضحية والجلاد، مقترحاً فهماً أكثر تعقيداً للعنف بوصفه بنية ممتدة تتجاوز الأفراد واللحظة الآنية.

*خلفية


وُلد تقلا في تشيلي، وكان في مقتبل عمره حين وقع انقلاب عام 1973 الذي أطاح بالرئيس المنتخب سلفادور أليندي، وشكّلت تلك اللحظة التاريخية، وما تبعها من قمع واضطرابات، خلفية لتكوينه واشتغاله الفني.
ينتمي تقلا إلى الجيل الثالث من التشيليين ذوي الأصول الفلسطينية، ويعمل بين سانتياغو ونيويورك، متتبعاً الروابط السياسية والثقافية المعقّدة بين أمريكا اللاتينية وغرب آسيا والولايات المتحدة، وقد تطوّرت ممارسته بالتوازي مع تحولات كبرى في الثقافة البصرية العالمية، ولا سيما في مجال توثيق العنف وانتهاكات حقوق الإنسان. ففي عالم باتت فيه الصور التقنية، من الأقمار الصناعية إلى اللقطات الجوية، تحلّ محل الشهادات الشخصية، يطرح الفنان تساؤلات حول ما يُفقد في هذه العملية.


وضمن هذا السياق، تبرز «الصورة السالبة» كأحد أبرز عناصر لغة تقلا التشكيلية، فبدلاً من تمثيل المباني أو المناظر الطبيعية بشكل مباشر، يختار الفنان رسمها عبر الغياب، تاركاً الشكل يتكوّن من الفراغ. لا تعمل هذه اللوحات كتسجيلات لمكان بعينه، بل كمساحات للتأمل في كيفية تشكّل الصورة في الوعي، وفي الطريقة التي تُرسَّخ بها الصدمة داخل الذاكرة الفردية والجماعية.
يتوقف المعرض في فصوله الأولى عند تجربة تقلا في نيويورك خلال ثمانينات القرن الماضي، في زمن صعود الإعلام الإخباري المتواصل، وتأثير ما عُرف بـ«تأثير سي إن إن» في تشكيل الوعي العام بالأزمات العالمية، إذ جاءت أعماله مشبعة بتوترات تلك المرحلة، وأصبحت صور العنف جزءاً من الحياة اليومية، وأداةً غير مرئية في صناعة السياسات والاستجابات الجماهيرية.
في تسعينات القرن العشرين، اتجه اهتمام الفنان نحو الصحراء، لا سيما صحراء «أتاكاما»، ومن خلال هذه المناظر التي كثيراً ما وُصفت تاريخياً بالفراغ، يعيد تقلا قراءة المكان بوصفه فضاءً مثقلاً بالذاكرة وآثار الحياة السابقة. لا تظهر الصحراء في أعماله كمنظر طبيعي فحسب، بل كمساحة نفسية تستوعب تجربة المنفى، والوطن المؤجَّل، والذاكرة المشوشة.

*أمكنة


يتناول المعرض أيضاً أعمالاً تركز على مبانٍ ومعالم رمزية مثل قصر «لا مونيدا» في سانتياغو، و«آيا صوفيا» في إسطنبول، و«البنتاغون» في واشنطن، كاشفاً عن ازدواجية هذه المباني بوصفها أماكن للحماية والدمار في آنٍ واحد، وطارحاً أسئلة حول دور العمارة في تجسيد السلطة وتاريخ العنف.
في جزء آخر، يستحضر المعرض موضوع حرق الكتب، بوصفه ممارسة رمزية للعنف الثقافي رافقت الديكتاتورية العسكرية في تشيلي، فمن خلال أعمال تركيبية تضم بقايا مطبوعات محترقة وتقارير إصابات، يربط تقلا بين قمع الكلمة والعنف الجسدي، مستعيداً ذاكرة الكتّاب والفنانين الذين تعرّضوا للإسكات، ومؤكداً هشاشة الثقافة في مواجهة السلطة.
وتحتل رسوماته اليومية مساحة مركزية في المعرض، حيث تكشف عن انشغاله باللغة، والهويات، وتفكيك الخطابات السائدة. وفي أعماله اللاحقة، التي تتناول الاحتجاجات الجماهيرية في تشيلي وحركات المقاومة في أماكن أخرى من العالم، يتجنّب تقلا إعادة إنتاج صور المعاناة المستهلكة، مفضّلاً التركيز على لحظات التحدي والصمود.

*صدمات


يُختتم المعرض بأعمال تتناول آثار الكوارث السياسية والطبيعية في المدن، من حلب وبيروت وغزة إلى سانتياغو وأوكلاهوما. هنا، يتحوّل الدمار العمراني إلى لغة بصرية تقارب الصدمة الإنسانية، حيث تتقاطع صورة المدينة الجريحة مع تشريح داخلي للجسد والذاكرة.