لا تنهار الحضارات الكبرى فجأة، وإنما تتآكل من الداخل قبل أن تُهزم من الخارج، هكذا علمنا التاريخ..
والسؤال: هل أخذت الحضارة الغربية الحديثة رشفات من كأس الانهيار الذي شربته الحضارة الرومانية القديمة حتى تداعت، وهي صاحبة الإمبراطورية الأطول عمراً في التاريخ؟ في روما القديمة وفي بداية الإمبراطورية كان المواطن يرى نفسه جزءاً من مشروع جماعي، ومشاركاً في بناء قوة عسكرية وسياسية واقتصادية، لكن مع مرور الزمن واتساع الإمبراطورية وتراكم الثروات، بدأ هذا الشعور يتآكل، النخبة انغمست في الصراعات الداخلية والملذات والترف، وبقية الشعب انشغل بالخبز والتسلية في حلبات المصارعة المميتة.
في الحضارة الحديثة، بالرغم من اختلاف الظروف، نرصد ملامح متشابهة، الحرية الفردية التي ازدهرت كقيمة إنسانية عظيمة، بعد عصر التنوير، تحولت في كثير من السياقات إلى انفلات، لا تردعه مرجعيات ثقافية ودينية أضعفها سيادة المادة وحب الذات وهيمنة العلوم التجريبية على تفسير الكون، أي صارت الحرية مساحة مفتوحة للرغبات الفردية، بدرجة لم يعد المجتمع قادراً على تنظيمها داخل إطار قيمي يمنح هذه الرغبات المعنى الأرقى.
والحرية بلا مسؤولية، كما يقول الفيلسوف جان بول سارتر، تنقلب من قيمة إنسانية إلى شكل من أشكال الفوضى الوجودية، والحرية ليست خطأ في جوهرها لكنها تحتاج دوماً إلى سياق قيمي يوجهها، وإلا جمحت الرغبات إلى انحلال أوسع يهدد الحضارة نفسها.
في كتاب «الانتحار» لعالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم يسمى هذا التحول بـ«الأنومي»، أي فقدان المعايير الأخلاقية وغياب المثل العليا، وهو ما يؤدى إلى تفكك المجتمع.
أما ابن خلدون فقد تحدث عن الترف والملذات، وقال: إن ضبط الشهوة أساس لبقاء العمران، أما الانفلات فيؤدي إلى ضعف العصبية، أي فقدان القوة التي تحمي الدولة.
بالطبع ثمة تشابه بين روما القديمة والحضارة الحديثة، ليس في التفاصيل، وإنما في البنية العميقة، فلم تعد الحرية مرتبطة بالواجب، ولم تعد الرغبات مضبوطة بقيم مشتركة، والتاريخ يهمس لنا أن الظل يكبر حين يغيب الضوء، وأن الأسرار تنخر حين يغيب الصدق.
باختصار إن لم يواجه الغرب الانحلال الخلقي، فإنه يعيد كتابة قصة روما، لكن بأدوات العصر الحديث!
آخر الكلام
مثلما حدث لروما
15 فبراير 2026 00:04 صباحًا
|
آخر تحديث:
15 فبراير 00:04 2026
شارك