نبيل عمر

في عالم اليوم، تبدو الحقيقة متاحة للجميع، ملايين الصور والوثائق والفيديوهات محفوظة في أرشيف مفتوح بلا حدود، لكن المفارقة أن هذا الانفتاح لا يعني بالضرورة أن الشعوب تمتلك ذاكرة مستقلة، لأن الحقيقة في عالم اليوم لا تُبنى بما هو موجود في الأرشيف، بل بما يُعاد عرضه وتكراره حتى يترسخ في الوعي العام، فالذاكرة ليست مجرد تراكم للأدلة، بل هي عملية انتقاء وتأويل وتكرار، ومن يملك الإعلام والتعليم والسياسة، فهو من يحدد الرواية التي تتسلل إلى الذاكرة وتسكن فيها وتصنع الوعي بها.
أحداث 11 سبتمبر 2001 مثال صارخ على هذا التناقض، الأرشيف مملوء بالحكايات والمشاهد والأدلة والشهادات، لكن الذاكرة الأمريكية صيغت وفق السردية الحكومية: «هجوم إرهابي بطائرات مخطوفة نفذه تنظيم القاعدة»، وظل انهيار المبنى الثالث من مركز التجارة العالمي دون أن تضربه أي طائرة لغزاً يثير الشكوك، وفتح الباب أمام روايات بديلة مدونة في كتب أو منشورة على مواقع إلكترونية، لكن تكرار الرواية الرسمية هو الذي شكّل الوعي العام بها لأغلب سكان المعمورة.
في عام 2003، غزت الولايات المتحدة العراق بذريعة امتلاك أسلحة دمار شامل، وكانت معلومات مضللة عمداً، لأن هذه الأسلحة لم يكن لها أي وجود على أرض الواقع، لكن عند إعلان قرار الحرب كانت السردية الرسمية أقوى من حقائق الواقع، وقبلها الشعب الأمريكي وشعوب أخرى حول العالم، لأنها قُدمت إليهم بإلحاح وفي إطار بسيط ومقنع بأن العراق يشكل تهديداً، ومن ثم هيمنت هذه السردية على الذاكرة الجماعية لبعض الوقت.
وتكشف القضية الفلسطينية بوضوح كيف يُعاد تشكيل الذاكرة رغم وفرة المعلومات: آلاف الصور للضحايا، مشاهد الدمار الهائل لقطاع غزة، تقارير حقوقية، شهادات من مخيمات اللاجئين، لكن جانباً من الذاكرة العالمية يُصاغ وفق السردية الإسرائيلية خاصة في الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية: إسرائيل تدافع عن نفسها، لأن الإعلام الغربي يعيد تفسير المعلومات ليبدو الأمر كجزء من صراع متكافئ وأن صور الضحايا وما يتعلق بها هي مجرد دعاية.
المفارقة أن العالم المفتوح يتيح لكل طرف أن ينشر روايته، لكن هذا لا يضمن أن تتحول إلى ذاكرة جماعية، فالأقوى ليس من يملك الأدلة الدامغة، بل من يملك القدرة على جعلها قابلة للتصديق والتكرار.
باختصار، لا يمكن أن تمتلك الشعوب ذاكرة مستقلة، إلا إذا امتلكت أدوات السرد نفسها، وبرعت فيها.