لا تبدو الانتخابات التشريعية المقبلة في المجر مجرد استحقاق ديمقراطي دوري يحدد بقاء حكومة أو رحيلها، بل تبدو أقرب إلى اختبار لموقع البلاد داخل الخريطة الجيوسياسية الأوروبية. فالمعركة التي يخوضها رئيس الوزراء فيكتور أوربان تتجاوز تقييم الأداء الاقتصادي أو الاجتماعي، لتتحول إلى استفتاء على تموضع بودابست بين بروكسل وواشنطن وموسكو، في لحظة دولية شديدة الحساسية.
على امتداد أكثر من عقد، نجح أوربان في صياغة نموذج سياسي يقوم على «السيادة الوطنية» في مواجهة المؤسسات فوق القومية، خصوصاً الاتحاد الأوروبي. هذا النهج جعله في حالة شد وجذب دائم مع بروكسل، سواء في ملفات سيادة القانون أو حرية الإعلام أو الهجرة. لكن الخلاف الأعمق ظهر مع الحرب في أوكرانيا، حيث تبنّت بودابست خطاباً أقل اندفاعاً تجاه موسكو مقارنة ببقية العواصم الأوروبية، ورفضت الانخراط الكامل في سياسات التصعيد.
هنا تتحول الانتخابات إلى لحظة حسم: هل تستمر المجر في موقع «الدولة المشاكسة» داخل الاتحاد الأوروبي، أم تعود إلى الانسجام مع التيار الأوروبي السائد؟ هذا السؤال لا يخص الداخل المجري وحده، بل يمس توازنات الاتحاد ذاته، الذي يواجه بالفعل انقسامات بين شرق وغرب، وبين تيارات قومية وأخرى ليبرالية.
في الوقت نفسه، تبقى المجر عضواً في حلف شمال الأطلسي، ما يضيف بعداً أطلسياً للحسابات الانتخابية. فبحكم موقعها الجغرافي وتاريخها السياسي، تمثل نقطة تماس بين روسيا والفضاء الغربي. أي تغيير في قيادتها قد ينعكس على درجة التماسك داخل الحلف، خصوصاً في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا وتزايد الحديث عن مستقبل الأمن الأوروبي.
العامل الأمريكي يزيد الصورة تعقيداً. فالدعم الصريح الذي أبداه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لأوربان يعكس تقاطعاً أيديولوجياً يتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية. العلاقة بين الرجلين تقوم على رؤية مشتركة للعالم: تشكيك في المؤسسات المتعددة الأطراف، تشدد في ملف الهجرة، وتركيز على أولوية الدولة القومية. ومع زيارة وزير الخارجية ماركو روبيو إلى بودابست، بدا واضحاً أن واشنطن، في ظل إدارة ترامب، ترى في استمرار أوربان مكسباً استراتيجياً.
لكن هذا التقارب الأمريكي المجري يضع بودابست في موقع حساس داخل أوروبا. فإذا كانت بروكسل تنظر بقلق إلى سياسات أوربان الداخلية، فإنها تراقب أيضاً علاقته الوطيدة مع موسكو، لا سيما مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. فالمجر كانت من بين الدول الأوروبية الأكثر حذراً في التعاطي مع العقوبات والطاقة الروسية، ما أثار تساؤلات حول مدى التزامها بالخط الجماعي الأوروبي.
من هنا، يمكن قراءة الانتخابات بوصفها صراعاً على هوية المجر الاستراتيجية: هل تبقى جسراً بين الشرق والغرب، مستفيدة من موقعها للمناورة بين القوى الكبرى؟ أم تنخرط بالكامل في أحد المحورين، الأوروبي أو الأطلسي، على حساب هامش الاستقلال الذي سعى أوربان إلى ترسيخه؟
في النهاية، ما يجري في المجر ليس مجرد منافسة حزبية، بل لحظة مفصلية في إعادة رسم خطوط التوازن داخل أوروبا. صناديق الاقتراع لن تحدد فقط مصير أوربان السياسي، بل ستحدد أيضاً اتجاه بوصلة بودابست في صراع الإرادات بين بروكسل وواشنطن وموسكو. وفي عالم يعاد تشكيله على وقع الحروب والتحولات الكبرى، قد تكون دولة متوسطة الحجم مثل المجر قادرة على لعب دور يفوق وزنها الجغرافي، إذا أحسنت إدارة موقعها بين المحاور المتنافسة.
[email protected]