مع دخول الحرب بين روسيا وأوكرانيا مرحلة طويلة من الجمود الميداني، يبرز سيناريو «الاستنزاف المفتوح»، بوصفه الأكثر واقعية في المرحلة الراهنة. فبعد أكثر من عامين على اندلاع الصراع، لم يتمكن أي طرف من تحقيق حسم عسكري واضح، لتتحول المواجهة إلى حرب طويلة الأمد تُدار بالنَفَس الطويل، لا بالضربات القاضية.
هذا النمط من الحروب، الذي يذكّر بصراعات تاريخية استمرت لسنوات من دون نتائج حاسمة، يعتمد على إنهاك الخصم تدريجياً، سواء عبر الخسائر البشرية، أو الضغط الاقتصادي. وفي الحالة الأوكرانية، تبدو خطوط القتال شبه ثابتة، مع تقدم محدود هنا وتراجع طفيف هناك، من دون تغييرات استراتيجية جوهرية على الأرض.
تعتمد أوكرانيا بشكل كبير على الدعم الغربي، لا سيما من الولايات المتحدة ودول الناتو، سواء من حيث التسليح أو الدعم المالي والاستخباراتي. غير أن هذا الدعم، رغم أهميته، لا يبدو كافياً لتحقيق نصر حاسم، بل يسهم في إطالة أمد الصراع ومنع انهيار كييف في الوقت ذاته. في المقابل، تراهن موسكو على عامل الزمن، مستفيدة من قدراتها العسكرية ومواردها الطبيعية، إضافة إلى قدرتها على التكيف مع العقوبات الغربية.
الاستنزاف لا يقتصر على الجبهات العسكرية فحسب، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي. فقد أدت الحرب إلى اضطرابات كبيرة في أسواق الطاقة والغذاء، خاصة في أوروبا التي وجدت نفسها أمام تحديات غير مسبوقة في تأمين احتياجاتها من الغاز. كما ساهم الصراع في رفع معدلات التضخم عالمياً، وأعاد طرح تساؤلات حول هشاشة النظام الاقتصادي الدولي في مواجهة الأزمات الجيوسياسية.
سياسياً، يعكس هذا الجمود الميداني عجز المجتمع الدولي عن فرض تسوية شاملة. فالمبادرات الدبلوماسية لا تزال محدودة التأثير، في ظل تمسك كل طرف بشروطه، وغياب أرضية مشتركة للحوار. كما أن استمرار الحرب يعمّق الانقسام بين المعسكرات الدولية، ويعزز من ملامح نظام عالمي، يتجه نحو التعددية القطبية، وهو ما يجعل أي تدخل دولي مباشر محفوفاً بالمخاطر.
إن أخطر ما في سيناريو الاستنزاف هو كلفته الإنسانية المتصاعدة. فمع استمرار القتال، تتزايد أعداد الضحايا والنازحين، وتتسع رقعة الدمار داخل الأراضي الأوكرانية، ما يهدد بتداعيات طويلة الأمد على الاستقرار الإقليمي والأوروبي. كما يفرض هذا الاستنزاف ضغوطاً نفسية واجتماعية على المدنيين، ويخلق جيلاً جديداً ينشأ وسط النزاع والعنف، ما يترك أثراً طويل المدى على المجتمع الأوكراني.
في المحصلة، لا يبدو أن نهاية قريبة تلوح في الأفق. فالحرب في أوكرانيا دخلت مرحلة «اللا حسم»، حيث لا غالب ولا مغلوب، بل صراع مفتوح على الزمن والإرادة. وفي ظل هذا الواقع، يبقى السؤال الأهم: إلى متى يمكن لهذا الاستنزاف أن يستمر، ومن سيدفع الثمن الأكبر في نهاية المطاف؟ إن أي توقع لنهاية الصراع يبقى غير مؤكد، ما يجعل المنطقة والعالم، أمام اختبار طويل لمرونتهم وقدرتهم على التعامل مع صراعات من هذا النوع.

[email protected]