د. ندى أحمد جابر*

كان يوماً حالكاً في تاريخ صحيفة «واشنطن بوست» الممتد لأكثر من 150 عاماً. حيث أعلنت عن تسريح ثلث الصحفيين العاملين لديها، في خطوة مفاجئة، جاءت كزلزال هزّ الأوساط الصحفية. «واشنطن بوست» كانت صحيفة عريقة، تاريخها يشهد على مهنية الصحفيين العاملين فيها.. ونسأل كيف حدث ذلك؟
فجأة أعلن مات موري رئيس التحرير لتنفيذي للصحيفة عبر اتصال مرئي لحوالي 300 صحفي، منهم من كان على رأس عملة في غرفة التحرير، أو في التغطيات الميدانية، أو في المكاتب الدولية.. «أنه تم الاستغناء عن خدماتهم». وأوضح موري أن التقليصات ستؤدي إلى إغلاق القسم الرياضي، وقسم الكتب، وتعليق بودكاست الصحيفة، وتقليص البصمة الدولية، لا سيما في الشرق الأوسط وأستراليا. السبب؟ هو الخسائر المالية. علماً أن الصحيفة سبق أن مرت بظروف مالية خلال تاريخها الطويل لكنها أبداً لم تُقدِم على تسريح جماعيّ، ومفاجئ كما حدث في أوائل فبراير/شباط الجاري. موجة التسريحات كانت الأكبر ليس من حيث العدد فقط، بل من حيث تأثيرها في هيكل الصحيفة وأقسامها الأساسية. هذا القرار الكارثيّ لم يكن ليمرّ دون أن ينعكس على قدرة الصحيفة العريقة في أداء دورها كواحدة من المؤسسات الإعلامية التاريخية في أمريكا.
تأسست الصحيفة في واشنطن عام 1877 واكتسبت شهرة عالمية كصوت رقابي رائد لا سيما بعد كشفها «فضيحة ووترغيت» في السبعينات التي أطاحت بالرئيس ريتشارد نيكسون، ولمشاركتها في نشر «أوراق البنتاغون».
كانت الصحيفة، حتى وقت طويل تدار من قبل مالكين حرصوا على مكانتها كرسالة، ووضعوا لها أسس الاستقلال التحريري مثل يوجين ماير (1933-1946) وفيليب غراهام (1946-1963) الذي قاد الصحيفة للتوسع الوطني وحوّلها إلى مؤسسة سياسية مؤثرة في واشنطن. وكاثرين غراهام (1963-1991) التي دعمت نشر أوراق البنتاغون، ووقفت خلف تحقيق ووترغيت، وثبتت سمعة الصحيفة كرمزٍ لصحافة السلطة الرابعة التي تضع المِصداقية فوق التنازلات. وأيضاً مع دونالد غراهام (1991-2013) الذي قاد المؤسسة في زمن التحول الرقمي الصعب محافظاً على سمعتها واستقلال القلم فيها.. رغم تراجع الإيرادات لم تتخل الصحيفة عن نهجها وبقي الجمهور على ولائه لها. أما أزمة الصحافة الورقية، فكانت أزمة عالمية، وهنا بدأ الانعطاف الذي غيّر نهجها مع دخول رجل الأعمال جيف بيزوس الذي اشتراها عام 2013 ومع دخول الصحيفة منطق الشركات العملاقة، بدأت شيئاً فشيئاً تخسر من رسالتها الديمقراطية، وتصاعد النفوذ الإداري على القرار التحريري بحساسية مُتَزايدة تجاه الصدام مع البيت الأبيض والسلطة الاقتصادية.
لماذا تدهورت اليوم؟ لأن الملكية لم تعد عائلية ذات رسالة، بل ملكية فردية لثري بعقلية سوق عالمي. أصبحت «واشنطن بوست» مؤسسة تدار كمُنتَج إعلامي لا كمِنبر للحقيقة. هنا تبدو المفارقة بين الصحيفة التي صنعت مجدها حين وضعت القارئ قبل المُعلِن، فازدادت شهرتها والإقبال عليها. وبين صحيفة تدار اليوم بعقلية التكلفة أولاً واسترضاء السوق فخسرت الاثنين. هذا عدا التدخل في التحرير من قبل بيزوس، لدرجة أنها تعرضت للانتقاد بسبب موقفها المُحايد خلال الحملة الانتخابية الأخيرة، في سابقة شكلت خيبة لجمهورها، مما دفع كثراً لسحب اشتراكاتهم فيها.
«واشنطن بوست» لم تعد صحيفة مستقلة في قرارها التحريري لأن بيزوس بات يعتبرها منبراً له، ويعتبر نفسه وصياً لا على رسالتها الإعلامية، بل على إيراداتها المالية. وفي هكذا مرحلة لا تعود المخاطرة مقبولة.. في عهده جاء التغيير، فقدت الصحيفة مكانتها فهجرها القارئ وتبعه المُعلِن. لم تنجح سياسة بيزوس بالتخلي عن الحقيقة في سبيل مكاسب مادية أكثر.. النتيجة جاءت عكسية تماماً. واليوم ومع قرار تسريح هذا العدد الكبير يتساءل الناس: كيف ستصمد الصحيفة العريقة؟
خلال الانتخابات، رفض بيزوس افتتاحيه تدعم هاريس المرشحة ضد ترامب. بالمقابل ماذا كان رد ترامب على تسريح الصحفيين؟ قال باستعلاء: «يستحقون ذلك». وأضاف في محاولة للتقليل من مكانة الصحيفة: «هي مجرد واجهة لبيزوس». هذا ما يحدث حين تتحول الصحافة إلى تجارة.. تفقد أكثر مما تربح، الصحفي يُصبِح رقماً لا يُحسَب بالموهبة، بل بالتكلفة، والتاريخ يُصبِح عِبئاً، والتجربة الإنسانية بنداً قابلاً للشطب.. وهناك من يتكلم عن الخسارة المادية؟!
إن الانتقال من «صحافة الرسالة» إلى «صحافة التجارة» هو كسر للرابط العاطفي والأخلاقي بين الصحيفة وجمهورها، وهذه هي الخسارة الحقيقية.

[email protected]

*كاتبة وباحثة في الدراسات الإعلامية