لا يزال أمام أنطونيو غوتيريش عشرة أشهر في ولايته الثانية والأخيرة أميناً عاماً للأمم المتحدة، وقد تتكرر حتى ديسمبر/كانون الأول المقبل مناسبات صراخه وتعبيره عن العجز المؤسسي والشخصي عن استعادة أي دور للمنظمة التي يترأسها منذ عشر سنوات.
ليس الصراخ والتعبير عن الألم والعجز غريبين عن كل من جلسوا على مقعد الأمين العام للأمم المتحدة، ومنهم من دفع، من حياته وسمعته وطموحه، ثمن صراخه أو محاولة تصديه لاختلال الموازين العالمي عبر مراحل مختلفة من التاريخ، أراد المتنفذون خلالها دوام الفوضى أو الاحتراب حتى تحقيق مصالحهم أو نفاذ مخططاتهم.
وتحفل مذكرات من قادوا المنظمة بما هو فاضح وكاشف لقواعد تسيير النظام العالمي، خاصة في القضايا الكبرى، وكيف يمكن تآمر قوتين أو أكثر على تغليب الظلم ونسف حقوق دولة أو طائفة أمام جبروت طرف بلد أو كيان.
إن قُدّر لأنطونيو غوتيريش أن يعيش حتى يكتب مذكراته، قد تتسع أمامه فرص التعبير عمّا اطّلع عليه من أسرار وهو في أروقة الأمم المتحدة محكوماً بقواعدها التي تحاصر في معظم الأوقات قدرته على الصراخ، وإن فعل، ففي نطاق يوفر له الحد المستطاع من تبرئة الذمة، ولا يثير كثيراً حفيظة من يترقبون انتهاء مهمته العام الحالي.
ربما لا يستطيع غوتيريش الفراغ من كتابة مذكراته، إذا قرر ذلك أو قدر له، والأمم المتحدة على قيد الحياة، وقد يكون الأقرب له نعي المنظمة التي دار في كواليسها عشر سنوات تقترب من النهاية، وهو الأعلم بمخطط تغييب هذا الكيان العالمي، أو على الأقل تهميشه وسلبه أي قدرة على التحرك.
في خطاب بداية العام الجاري، حذر أنطونيو غوتيريش الذي عرفت ولاياتاه حروباً وصدامات دولية بعضها مستمر وآثاره تتشكل، من تفوق القوة على القانون، وانتهاك القانون الدولي في ظل تراجع التعاون واستمرار الاعتداء على المؤسسات متعددة الأطراف.
وبرؤية، أو علم بالمنتظر، توقع غوتيريش، رغم أن 2026 كان في مستهله، أن يكون عاماً من الفوضى والمفاجآت المتواصلة.
أما الفوضى، فملامح منها بانت في سعي قوة دولية واحدة إلى التفرد بالقرار العالمي وفرض مصالحها ورءاها معياراً للحق والباطل إلى حد أن تمد يديها في قصر حكم دولة أخرى، فتخطف ساكنه، وتمد عينيها في ثرواتها وتقرر طرق توزيعها. أما المفاجآت المتواصلة، ففي العام ما يكفي من الوقت لانتظارها ووقوعها.
وبعد هذا التحذير بأقل من شهر، خشي الأمين العام للأمم المتحدة من انهيار مالي وشيك يجعل خزانتها تنفد قبل يوليو/ تموز المقبل بعد تخلي دول، في مقدمتها الولايات المتحدة، عن الوفاء بالتزاماتها تجاه المنظمة.
الآن، يعلو صوت غوتيريش أكثر وتزداد كلماته جلاء وحدّة وهو يعلن في بوادر اسستلام أن «شريعة القوة باتت تغلب» سيادة القانون، بينما تتعرض حقوق الإنسان تتعرّض إلى «هجوم شامل حول العالم» متعمد ومخطط له.
ويبدو أن الآتي أسوأ.

[email protected]