الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

فخّ ثوسيديديس.. من أثينا وإسبارطة إلى هرمز وتايوان

20 مايو 2026 00:36 صباحًا | آخر تحديث: 20 مايو 00:37 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
عندما استحضر الرئيس الصيني خلال لقائه الرئيس الأمريكي في بكين مصطلح (فخّ ثوسيديديس)، بدا واضحاً أن بكين لا تتحدث عن التاريخ بقدر ما تتحدث عن المستقبل، فالمفهوم الذي صاغه المؤرخ الإغريقي قبل أكثر من ألفي عام لوصف الحرب البيلوبونيسية بين أثينا الصاعدة وإسبارطة المهيمنة، عاد اليوم ليصبح إطاراً تفسيرياً للعلاقة بين الولايات المتحدة والصين، وللتحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي، وللتوتر المتصاعد في أهم ممرّين بحريين في العالم: مضيق تايوان ومضيق هرمز.
فخّ (ثوسيديديس) يقوم على فكرة بسيطة لكنها خطِرة: عندما تصعد قوة جديدة بسرعة، وتشعر القوة المهيمنة بأن مكانتها مهددة، يصبح احتمال الانزلاق إلى الصدام أعلى حتى لو لم يكن أيٌّ من الطرفين يريد الحرب، هذا الفخّ لا ينتج عن النوايا، بل عن الخوف المتبادل وسوء التقدير، وعن تفسير كل خطوة دفاعية كتهديد هجومي. وهو ما يجعل المفهوم مناسباً تماماً لوصف اللحظة الأمريكية‑الصينية الراهنة، خصوصاً مع انتقال التنافس من الاقتصاد والتكنولوجيا إلى الجغرافيا البحرية.
الصين ترى نفسها اليوم «أثينا الحديثة»: قوة صاعدة توسّع نفوذها الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري، وتعتبر مضيق تايوان جزءاً من أمنها القومي، أما الولايات المتحدة، «إسبارطة المعاصرة»، فترى أن حماية تايوان ضرورة استراتيجية للحفاظ على توازن القوى في آسيا ومنع بكين من تغيير قواعد النظام الدولي.
وهكذا يتحول مضيق تايوان إلى مسرح مباشر لفخّ (ثوسيديديس): قوة صاعدة تريد استعادة مجالها الحيوي، وقوة مهيمنة تخشى أن يؤدي ذلك إلى انهيار النظام الذي تقوده منذ نهاية الحرب الباردة.
الأرقام هنا تكشف حجم الرهانات، فـ أكثر من 48% من سفن الحاويات العالمية تعبر سنوياً عبر مضيق تايوان، ويُقدَّر أن ما بين 2.5 و3 تريليونات دولار من التجارة العالمية تمر عبره سنوياً، كما يمر عبره ما يقارب 70% من صادرات كوريا الجنوبية واليابان التكنولوجية، إضافة إلى كونه شرياناً أساسياً لسلاسل توريد أشباه الموصلات التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد العالمي، أيْ أن أيَّ اضطراب في هذا المضيق ينعكس فوراً على الأسواق العالمية، وعلى أسعار الطاقة، وعلى حركة التجارة، وعلى الأمن الإقليمي.
لكن المفارقة أن هذا الفخّ لا يقتصر على شرق آسيا، فالعالم يشهد اليوم نسخة أخرى منه في مضيق هرمز، حيث تتقاطع مصالح القوى الكبرى في لحظة حساسة. فهرمز ليس مجرد ممرّ للطاقة، بل هو نقطة التقاء بين صعود قوى إقليمية، وتراجع نسبي في قدرة القوى الكبرى على فرض الاستقرار، وتحوّل في موازين القوة البحرية.
الصين، التي تخشى حصاراً بحرياً في مضيق تايوان، تدرك أن أمن الطاقة يمر عبر هرمز، وأن أي اضطراب فيه يضع اقتصادها تحت ضغط مباشر، فالصين تستورد أكثر من 10 ملايين برميل نفط يومياً، يأتي نحو 45% منها من الخليج، ما يجعل استقرار هرمز جزءاً من أمنها القومي، أما الولايات المتحدة، التي خفّضت اعتمادها على نفط الخليج لكنها لم تخفّض اعتماد النظام الدولي عليه، فترى أن فقدان القدرة على ضمان أمن الممرات البحرية في الخليج يعني تراجعاً في قدرتها على قيادة النظام الدولي، وهكذا يتحرك المضيقان في (الظل نفسه): ظلّ التحول في ميزان القوى العالمي، وظلّ التنافس بين قوة صاعدة وقوة مهيمنة.
التاريخ يقدم لنا أمثلة كثيرة على أن الممرات البحرية كانت دائماً نقاط ضعف للقوى الكبرى، أثينا سقطت عندما فقدت السيطرة على خطوط إمدادها البحرية.
استحضار (فخّ ثوسيديديس) في بكين لم يكن درساً في التاريخ، بل كان تحذيراً استراتيجياً بأن العالم يقف أمام مرحلة انتقالية كبرى، وأن إدارة هذه المرحلة تتطلب وعياً تاريخياً بقدر ما تتطلب براعة سياسية، فالمضيقان -تايوان وهرمز- لم يعودا مجرد نقاط جغرافية، بل أصبحا مرآتين تعكسان شكل النظام الدولي المقبل. وإذا لم تُحسن القوى الكبرى إدارة التنافس، فقد يتحول الفخّ من تحذير نظري إلى واقع جيوسياسي يغيّر وجه العالم.
الزيارة الأمريكية إلى الصين جاءت في لحظة يدرك فيها الطرفان أن التنافس بينهما لا يمكن أن يُترك بلا إدارة، فالصين تريد أن تقول إن صعودها ليس مشروعاً عدائياً، وإن العالم يتسع لقوتين عظميين إذا أحسنتا إدارة خلافاتهما، والولايات المتحدة تريد أن تؤكد أن التنافس يجب أن يبقى ضمن قواعد واضحة تمنع بكين من تغيير الوضع القائم بالقوة، وبين هذين الموقفين، يقف العالم أمام سؤال جوهري: هل يمكن للقوتين أن تتجنبا الفخّ الذي سقطت فيه أثينا وإسبارطة، أم أن التاريخ سيعيد نفسه بطريقة جديدة؟
لهذا، فإن استحضار (فخّ ثوسيديديس) لم يكن مجرد استعارة تاريخية، بل كان إطاراً للتفاوض ورسالة بأن العالم يقف على حافة مرحلة انتقالية تحتاج إلى إدارة حكيمة. فالتاريخ لا يعيد نفسه حرفياً، لكنه يترك ظلالاً طويلة.. وظلال أثينا وإسبارطة ما زالت ماثلة أمامنا، من مضيق تايوان إلى مضيق هرمز.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة