د. يوسف الحسن
هل الصور النمطية السلبية للعرب، التي عرفناها في النصف الثاني من القرن العشرين، مازالت مستقرة في أذهان الغرب الأوروبي الأمريكي، أم تغيرت ملامحها أو بعض عناصرها؟
هو سؤال مهم بحاجة إلى بحث واستقصاء، وربما نجتهد ونقول: نعم، تراجعت عناصر، وتقدمت أخرى، لكن مازالت بقايا الصورة الذهنية للعربي، وللمسلم بشكل عام، عالقة في المخيال، والتي ظهرت في كتابات المستشرقين الأوروبيين، ومن بينها: صفاته كقاتل ومهووس بالجنس، وصور الصحراء والجواري والعبيد والراقصة الشرقية، والمرأة المضطهدة، قليلة الحيلة.. إلخ. وربما بقيت أيضاً صورة الشرق كمكان فوضوي وغير عقلاني، وكما قال المبعوث الأمريكي توم باراك مؤخراً، «الشرق الأوسط لا يدار كدول حقيقية، بل عبر شبكات من القبائل والقرى والطوائف».
ارتبطت ظاهرة «التنميط» بوسائل الإعلام التقليدي، بما فيها أفلام السينما، في زمن «هوليوود»، أما اليوم فقد زادت سطوة الإعلام مع ثورات التكنولوجيا والمعلومات والاتصال.
وأسهمت «الصور النمطية السلبية» بدور كبير في تسويغ الحروب، وتضليل الرأي العام، وخلق صورة «العدو».
عناصر جديدة طغت على الصورة النمطية للعربي المعاصر، بخاصة في أعقاب العمل الإرهابي في سبتمبر 2001، من بينها: محور الشر، الإرهاب والتطرف، الثراء الفاحش، المهاجرون، الإسلاموفوبيا، اضطهاد الأقليات، يتسلحون لتهديد سلام العالم، غياب الديمقراطية... إلخ.
غابت صور الجَمل والصحراء والنقاب والراقصة الشرقية عن الصورة الذهنية، لكن مازال «الشرق مهدّد، والغرب مُنقذ».
تحضر إلى الذاكرة حكاية سُميت ب«فضيحة عرب» Abscam، جرت أحداثها في فبراير 1980، في العاصمة الأمريكية، حينما كانت الصورة النمطية للعربي تتسم في أذهان الرأي العام الأمريكي بالتشوه الكبير، فهو منحرف المزاج، عديم الأخلاق، مرتشٍ... إلخ.
وأذكر أن الصورة النمطية للسود والإيطاليين والروس، آنذاك، قد تحسنت، لكن صورة العربي ظلت تدعو للاشمئزاز.
وتعود بداية الحكاية إلى قيام مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI التابع لوزارة العدل، بحملة واسعة النطاق للكشف عمن يقف وراء بيع مجموعة كبيرة من اللوحات الفنية الشهيرة المسروقة، وقد اتسع نطاق التحقيق وتشعب، ليكشف مخالفات قانونية لبعض أندية القمار، وعمليات استغلال للنفوذ تمارسها شخصيات سياسية نافذة في الإدارة الحكومية والكونجرس، واكتشف أن بعض الشخصيات يمكن شراء نفوذها السياسي والتشريعي مقابل الحصول على مزايا غير قانونية وخدمات خاصة.
واصل مكتب التحقيقات مهمته بسرية تامة، باحثاً عمن يمارس عملية قبض الرشى مقابل خدماته، وقد رسم المكتب خطة محكمة للإيقاع بعدد من أعضاء الكونجرس، ممن يشتبه في ضعف ضمائرهم، وحينما بحث في أفضل العناصر البشرية التي يمكن أن تقدم الرشوة، وتتطلع إلى عقد صفقات مشبوهة، ولديها القدرة المادية على الدفع، لم يجد (في منطق رجال المكتب وثقافتهم) سوى العرب.
في يومي الأول والثاني من فبراير، تنكر عملاء ورجال مكتب التحقيقات بزي عربي من الخليج، يحملون الحقائب السود المنتفخة بعشرات الآلاف من الدولارات، ويلتقون مع عدد من أعضاء الكونجرس، في غرف مغلقة، وعدسات تلفزيونية خفية، ويطلب «العرب المزيفون» تراخيص عمل وإقامة ولجوء سياسي بسبب توقع انقلابات في بلادهم، ويتم ضبط أعضاء الكونجرس وهم يتسلمون الرشى، وتتفرج أمريكا والعالم مساء الثالث من فبراير عام 1980، على الكمين المحكم، كما قدمته محطات التلفزة الرئيسية، ويشاهد الملايين من الناس، صور رجال عرب بملابسهم المعروفة (الدشداشة والغترة والعقال)، ويسمع أصواتهم وهم يشيرون إلى دولة الإمارات والكويت، حيث قدموا منهما وتظهر على رأس الأخبار وأعمدة الصحافة فضيحة تحمل اسم «أبسكام» أي «فضيحة عرب».
وغداً نكمل الحكاية.