د. سالم علي بن ارحمه
تُعدُّ كثرة النسل من أهم مقاصد الزواج في الإسلام، إذ يُسهم في إعمار الأرض وتقوية الأمة، تحقيقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تزوَّجوا الوَدودَ الولودَ فإنِّي مُكاثرٌ بِكُمُ الأُممَ»، أي: مفاخر بسببكم سائر الأمم لكثرة أتباعي.
وفي الحديث الحث على الزواج طلباً للأولاد لتكثر الأمة، فتزداد قوة في الدنيا ويزداد أتباع النبي يوم القيامة، فتكثير الأمة الإسلامية مطلب شرعي، وهو يعكس مدى قوة الأمة الإسلامية بين الأمم الأخرى.
وجعل الله تعالى الذرية نعمة عظيمة، فقال تعالى: «وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَة». وقال تعالى: «المال والبنون زينة الحياة الدنيا»، إذ يسهم الأولاد في تقوية المجتمعات، وهم سند لآبائهم في الكبر، كما أنهم عماد الأمة في المستقبل.
ولا أحد ينكر أن كثرة الأمة سبب لعزتها وقوتها، لذلك امتن الله تعالى على عباده بهذه النعمة فقال تعالى: «وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيراً». وحيث إنها منة ونعمة فاللائق أن يستكثر المرء من هذه النعمة ما استطاع، تطبيقاً لتوجيه النبي الكريم كما في الحديث المتقدم.
كما أن كثرة النسل تزيد من قوة المجتمع، فالتكاثر ليس مجرد عدد، بل هو بناء لمجتمع قوي متماسك، وكانت العرب تقول: (إنما العزة للكاثر)، ولذا امتن الله على عباده بتكثيرهم من قلة، فقال تعالى: (وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ) واعتبر مؤسس علم الاجتماع ابن خلدون: كثرة السكان، مصدر الازدهار والقوة والرفاهية للدولة، وذكر أن ذلك يؤدي بأهل المدينة إلى زيادة إنتاج السلع الضرورية لشدة حاجتهم إليها، وهذه الحالة تؤدي إلى زيادة العرض على الطلب فتنخفض أثمانها. وهذا ما أكده علماء الاجتماع بالقول إن الدول ذات التعداد السكاني المرتفع، مع حسن التخطيط، تكون أكثر قدرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي.
وفي العصر الحديث، نرى دولاً تسعى لزيادة عدد سكانها لمواكبة النمو الاقتصادي، ومنها دول بدأت في اتخاذ سياسات تشجيعية لزيادة الإنجاب، مثل تقديم الدعم المالي للأسر، وتوفير رعاية صحية وتعليمية مجانية للأطفال، إدراكاً لأهمية التكاثر في استدامة المجتمعات وتقوية الدول.
كما يساعد كثرة النسل في الحفاظ على الهوية الثقافية للأمم، إذ إن المجتمعات التي تمتلك تعداداً كبيراً تستطيع الحفاظ على لغتها وثقافتها وتراثها عبر الأجيال. ومن هنا، فإن الإسلام عندما دعا إلى التكاثر، لم يكن ذلك لمجرد العدد، بل لحفظ الهوية الإسلامية ونشر القيم النبيلة.
ولا شك أن فوائد تكثير نسل الأمم واضحة لكل متأمل، ولذلك تحرص الشعوب المدركة لهذا الأمر على تكثير نسلها وتشجيع أفرادها على ذلك.
يتضح من كل ما سبق أن التكاثر من أهم مقاصد الزواج، وهو ليس مجرد زيادة عددية، بل بناء لأمة قوية تملك القدرة على مواجهة التحديات.
ودولتنا دولة فتية تسابق الزمن وما تحقق فيها من تقدم وإنجازات وسبق فاقت بها الدول التي لها آلاف السنين تحتاج إلى كثرة الإنجاب وهذه سياسة يجب أن يتبناها كل أفراد المجتمع، نظراً لما لها من أبعاد استراتيجية وسكانية، وإصلاح التركيبة السكانية تكمن في قضية الإنجاب.
إن تكثير النسل في الإسلام ليس دعوةً عشوائية، بل هو مشروعٌ متكامل يقوم على الزواج المسؤول، والتربية الواعية، وبناء الإنسان الصالح علماً وخلقاً.
[email protected]