يُعد الخط العربي من أبرز الفنون الإسلامية، الذي ارتبط بشكل مباشر بكتابة القرآن الكريم وتدوين السنة النبوية، وتبعاً لأهميته ظهرت مدارس مختلفة تُعني به، ولكل منها تقاليد فنية وخطية تميزها بطابعها الخاص، مثل المدرسة الأندلسية المغربية والإيرانية والعثمانية، وتُعد المدرسة البغدادية أو العراقية واحدة من المدارس المميزة في مجال الخط العربي.
في هذه اللوحة التي بين أيدينا، والتي أبدعها الخطاط صلاح الدين شيرزاد، والتي نلمح فيها أثراً للمدرسة العراقية الكلاسيكية المحافظة على القواعد الدقيقة للثلث، مع لمسة معاصرة في تبسيط الزخرفة، وتتجلى في هذه اللوحة الخطية الآية القرآنية 58، من سورة الكهف، ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾، والتي تحمل كثافة دلالية وروحية عميقة، ونفذها شيرزاد بخط الثلث الجلي، ليضعنا أمام صياغة بصرية فنية للمعنى، تعيد تأويله جمالياً عبر توازن محسوب بين الامتداد الخطي، والزخرفة، واللون، والإطار.
تركيب
لعل اختيار الفنان لخط الثلث الجلي هو اختيار دلالي في تنفيذ هذا العمل، فخط الثلث يُعد تاج الخطوط العربية، يمتاز بقوته البصرية، ومرونته في تشكيل التراكيب، وقابليته المرنة للامتداد الرأسي والأفقي بما يسمح ببناء مشهد حروفي متكامل، حيث يلاحظ المتأمل لهذه اللوحة، تصاعد حروف «الكاف» في بداية التكوين في كلمة «وربك» والألفات واللامات في كلمة «الغفور» و«الرحمة»، هذا التصاعد في حركة عمودية توحي بالسمو والعلو الإلهي، بينما تنساب الحروف الأفقية المنحنية بانسياب أكثر ليونة، في ترجمة بصرية لمعنى الرحمة ذاتها.
من الجماليات التي تثير العين في تأمل اللوحة، هو اعتماد الخطاط في التكوين العام على توزيع مركزي متوازن للكلمات والحروف، بطريقة مدروسة ومتقنة لذا نجده قد جعل من نص الآية مركز الثقل البصري، بما تحمله من مدات طويلة وانحناءات حروفية متقنة في يسر وسلاسة، ليرسخ المفهوم العقائدي بأن المغفرة أبرز تجليات الرحمة في علاقة الخالق بالمخلوق، فالنص المختار يحمل مضموناً تطمينياً لكل مؤمن، وهذا المعنى المفعم بالطمأنينة انعكس في المعالجة البصرية، فالحروف بدت لينة في انحناءاتها، قوية في صعودها، متوازنة في توزيعها، حتى اللون الأخضر المحيط يضفي إحساساً بالسكينة، في ما يمنح الذهبي إحساساً بالعظمة.
زخرفة
من الأمور الفنية التي تقع عليها عين الناظر لهذه اللوحة، تلك الوحدة الزخرفية الملونة بالأزرق والتركواز مع لمسات حمراء، وهي أشبه بالختم الزخرفي الهندسي، ووجود هذه الزخرفة في المحور العلوي يعزز مركزية التكوين ويمنحه بعداً جمالياً، كما لو كانت تاجاً يعلو النص، كما أنها أسهمت في كسر الفراغ البصري للتكوين، حيث شغلت المساحة الفارغة بالوان الأزرق الذي يخلق تبايناً متناغماً مع الأخضر، ويكسر رتابة اللون الواحد، مانحاً العين نقطة ارتكاز إضافية.
كما أن الإطار جاء غنياً بزخارف نباتية متكررة، يغلب عليها اللون الذهبي فوق أرضية خضراء، في تدرج لوني بين الأخضر والذهبي خلق حالة من الروحانية والسكينة، ويجسد ذلك اللون الأخضر في الثقافة الإسلامية، بينما يشير الذهبي إلى القداسة والبهاء والخلود، وتستلهم الزخارف النباتية تقاليد الأرابيسك الإسلامية، والتي تشتهر بتكرار العنصر الزخرفي في نظام هندسي متوازن، يوحي باللانهاية والامتداد، في إيقاع بصري يهيئ المتلقي للدخول إلى مركز اللوحة حيث النص.
سيرة
يحمل الخطاط صلاح الدين شيرزاد، دكتوراة في تاريخ الفن الإسلامي من جامعة إسطنبول، تتلمذ في فن الخط العربي على: د. عبدالغني العاني، هاشم البغدادي، حامد الآمدي وتعلّم فن الزخرفة من: محمد البلداوي، تحسين آي قوت ألب، عضو مؤسس في جمعية الخطاطين العراقيين، عضو مؤسس في جماعة الخط العربي بالإمارات، عضو مشارك في جمعية الإمارات للفنون التشكيلية– الإمارات، درس الخط والزخرفة في معهد الخط العربي والفن الإسلامي، وجمعية الإمارات للفنون التشكيلية، ومركز الخط العربي والزخرفة بالشارقة، فاز بجوائز عديدة في المسابقات التي أجريت بتركيا والعراق والإمارات وإيران.
جماليات إسلامية
«الثلث الجلي».. الحرف لحظة سكينة
26 فبراير 2026 01:17 صباحًا
|
آخر تحديث:
26 فبراير 01:17 2026
شارك