«عليك بطرق الهدى ولا يضرك قلَّة السالكين، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين»، ذلك من أقوال العالم الورع الفضيل بن عياض، «107-187 ه»، وهو أحد أعلام أهل السنة في القرن الثاني الهجري، وكان يلقب ب«عابد الحرمين»، والقول الذي يحمل الوعظ، يشير إلى أن طريق الخير والهداية واضح، وأن على الإنسان ألا ينخدع بكثرة أهل الباطل، كما يحمل الحديث دلالات وجوب أن يكون المرء مستقلاً برأيه وصاحب قدرة على الدفاع عن موقفه والتمسك به، وهو بذلك يحمل دعوة للتفكير وإعمال العقل، وكذلك ضرورة الابتعاد عن أطماع الدنيا والسير في دروب التقوى والزهد ومخافة رب العالمين وتلك أوصاف وسمات اشتهر بها ابن عياض.
ولد الفضيل بن عياض بن مسعود بن بشر أبو على التميمي اليربوعي الخراساني، في سمرقند ونشأ ب«أبيورد» وهي مدينة تاريخية قديمة، ولعل من العلامات الكبيرة في حياته أنه وطَّن نفسه على الزهد التام، وتفرغ بشكل كبير لدراسة الحديث، لذلك اعتبره العلماء من الثقات، ولعل ذلك الأمر يشير إلى تمسك ابن عياض بطريق السنة والجماعة، وظل على ورعه ذلك وزهده وخلوته وطلبه للعلم حتى مماته، وقد عرف الناس عنه الكثير من الفضائل والتف حوله طلاب العلوم، فكان كالبحر لا ينضب.
توبة
قبيل حياة الزهد تلك، كان لابن عياض شأن آخر مختلف، فلم يكن معروفاً عنه التدين، بل كان على العكس من ذلك، فقد كان من ضمن قطاع الطرق المفسدين، وكان الناس من المسافرين يخشون شره، لكن واقعة غيرت من مسار حياته تماماً، حيث روى ابن عساكر عن الفضل بن موسى قال: «كان الفضيل شاطراً يقطع الطريق بين أبيورد وسرخس وكان سبب توبته أنه عشق جارية فبينما هو يرتقى الجدران إليها سمع تالياً يتلو «ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله»، قال: يا رب قد آن فرجع فآواه الليل إلى خربة فإذا فيها رفقة فقال بعضهم: نرتحل وقال قوم: حتى نصبح فإن فضيلاً على الطريق يقطع علينا قال: ففكرت وقلت: أنا أسعى بالليل في المعاصي وقوم من المسلمين هاهنا يخافونني وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع، اللهم إني قد تبت إليك وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام.
منذ تلك الواقعة، ظل الفضيل على الطريق الصحيح، بل وأخذ نفسه بالشدة في أمر العبادة والزهد والإقبال على دراسة العلوم الفقهية والحديث، كما صار له العديد من التلاميذ الذين نقلوا عنه وأصبحوا في ما بعد من كبار العلماء.
أهل الطريق
لعل الطريقة التي اهتدى بها ابن عياض إلى الطريق القويم، كان لها دور في تكوين وجدانه الديني، حيث اتجه في ما بعد إلى طريق التصوف في رفقة السالكين الزاهدين، وكان يُعد أحد أبرز أعلام الزهد والتصوف في القرن الثاني الهجري، ويُعتبر من أوائل الصوفية الحكماء والرواد الذين أسسوا للمنهج الصوفي القائم على التربية والسلوك والورع، مع التزامه التام بالكتاب والسنة، وذلك الزهد والورع وغير ذلك من الصفات جعلته يجاور ويلازم بيت الله الحرام حتى لقب ب«عابد الحرمين».
التأهب للرحيل
جمعت ابن عياض علاقة قوية بهارون الرشيد، وعرف الخليفة فضله وسماته الطيبة، فكان يقول عنه: «ما رأيت في العلماء أهيب من مالك، ولا أشد ورعاً من الفضيل»، وكان حب هارون الشديد له بسبب زهده وتقواه ومخافة رب العالمين، وروي عن إبراهيم بن أحمد الخزاعي قوله: سمعت الفضيل بن عياض يقول: «لو أن الدنيا كلها بحذافيرها جعلت لي حلالاً لكنت أتقذرها، كما يتقذر أحدكم الجيفة إذا مر بها أن تصيب ثوبه».