تحدث قتادة بن دعامة، وكان من التابعين، عن الحسن البصري فقال: «ما جمعت علمه إلى أحد العلماء إلا وجدت له فضلاً عليه»، حيث كان هو أعلم أهل عصره، وأجمع على ذلك الكثيرون.
هو الحسن بن يسار «21 - 110 هـ»، وهو إمام وقاضٍ ومحدّث من علماء التابعين ومن أكثر الشخصيات البارزة في عصر صدر الإسلام، سكن البصرة، وعظمت هيبته في القلوب فكان يدخل على الولاة فيأمرهم وينهاهم، وذلك لهيبته ومكانته العلمية والفقهية والدينية، وتنقل البصري بين مدن عدة، أولاها المدينة المنورة مسقط رأسه ومكان نشأته الأولى، ثم سافر إلى كابل مع فاتحيها، كما عمل كاتباً للربيع بن زياد الحارثي في خراسان على عهد معاوية بن أبي سفيان، ثم استقر في البصرة فنُسبَ إليها.
أنوار
لم تكن نشأة الحسن عادية، حيث ولد قبل سنتين من نهاية خلافة عمر بن الخطاب في المدينة، وكانت أمه هي خيرة مولاة لأم سلمة أم المؤمنين، حيث أرسلتها في عمل ذات مرة وكان الطفل البصري يبكي، فكانت تشاغله أم سلمة برضاعته لتسكته، وبذلك رضع من أم سلمة، فكانوا يرون أن تلك الحكمة والعلوم التي أوتيها الحسن من بركة تلك الرضاعة من أم المؤمنين زوجة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكانت أم سلمة تخرجه إلى الصحابة فيدعون له، ودعا له عمر بن الخطاب، فقال: «اللهم فقهه في الدين وحببه إلى الناس»، وبالفعل حفظ الحسن القرآن في العاشرة، ونشأ في الحجاز بين الصحابة، ورأى عدداً منهم وعاش بين كبارهم، مما دفعه إلى التعلم منهم، والرواية عنهم، وحضر الجمعة مع عثمان بن عفان وسمعه يخطب، وشهد يوم استشهاده، وكان عمره أربع عشرة سنة.
كان البصري مهاب الجانب بما امتلك من المعرفة والعلوم، فكان لا يخاف في الحق لومة لائم، وكان أشبه الناس كلاما بكلام الأنبياء، وأقربهم هدياً من الصحابة. وكان غاية في الفصاحة، ينطق فمه بالحكمة، ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة كتب إليه: «إني قد ابتليت بهذا الأمر فانظر لي أعواناً يعينونني عليه». فأجابه الحسن: «أما أبناء الدنيا فلا تريدهم، فاستعن باللَّه»، ثم إنه تولى القضاء في ذات عهد عمر بن عبد العزيز في مدينة البصرة، وكان لا يأخذ أجراً عن ذلك.
محاسبة النفس
ما يذكر البصري إلا وكانت صفاته حاضرة وعلى رأسها الزهد الشديد والتقوى ومخافة الله تعالى، ويروى أن البصري قد عنف طلبة العلم الشرعي الذين يجعلون علمهم وسيلة للاستجداء، فقال لهم: «والله لو زهدتم فيما عندهم، لرغبوا فيما عندكم، ولكنكم رغبتم فيما عندهم، فزهدوا فيما عندكم»، وكانت تلك الموعظة بمثابة دعوة لكل الناس لأن يسلكوا طريق الزهد وأن يصلحوا أنفسهم، وكان ذلك ديدن البصري الذي عرف كذلك بالحزن ومحاسبة النفس، وقد روى حمزة الأعمى: «كنت أدخل على الحسن منزله وهو يبكي، وربما جئت إليه وهو يصلي فأسمع بكاءه ونحيبه، فقلت له يوماً: إنك تكثر البكاء، فقال: يا بني! ماذا يصنع المؤمن إذا لم يبك؟ يا بني إن البكاء داع إلى الرحمة، فإن استطعت أن تكون عمرك باكياً فافعل لعله تعالى يرحمك، فتنجو من النار».
وكان سبيل البصري هو دعوة الناس لترك مفاتن الدنيا، والاستعداد للرحيل وأن يعملوا عملاً صالحاً قبل أن يدركهم الموت فكان يقول: «يحق لمن يعلم أن الموت مورده، وأن الساعة موعده، وأن القيام بين يدي الله تعالى مشهده، أن يطول حزنه».
أعلام المحبة
الحسن البصري.. الزهد درب النجاة
27 فبراير 2026 01:23 صباحًا
|
آخر تحديث:
27 فبراير 01:37 2026
شارك