منى البلوشي
يشهد العالم اليوم ثورة تكنولوجية متسارعة، تقودها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، التي أصبحت عاملاً رئيسياً في إعادة تشكيل الاقتصادات، وسوق العمل على مستوى عالمي.
وفي هذا السياق، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة كنموذج رائد في تبني هذه التكنولوجيا، ليس فقط لمواكبة التطورات العالمية، بل لقيادة التحول نحو اقتصاد قائم على الابتكار والمعرفة.
لقد أدركت الإمارات مبكراً، أهمية الذكاء الاصطناعي بوصفه محركاً استراتيجياً للتنمية، فأطلقت «استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031»، التي تهدف إلى تعزيز مكانة الدولة عالمياً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، وتحسين جودة الحياة، وزيادة كفاءة القطاعات الحكومية والخاصة.
وقد انعكس هذا التوجه في مشاريع عملية في قطاعات مثل الصحة، والنقل الذكي، والتعليم، والخدمات الحكومية الرقمية.
غير أن هذا التقدم يثير تساؤلات جوهرية حول مستقبل الوظائف، خاصة مع تزايد الاعتماد على الأنظمة الذكية والأتمتة. فمع قدرة الذكاء الاصطناعي على تنفيذ مهام متكررة بسرعة ودقة عالية، يُتوقع أن تتأثر بعض الوظائف التقليدية.
ويرى خبراء أن هذا التحول، قد يؤدي إلى تقلص الطلب على فئات معينة من الوظائف، ما يستدعي إعادة التفكير في سياسات التوظيف، والتدريب، والتعليم.
في المقابل، يفتح الذكاء الاصطناعي المجال لظهور مهن حديثة، تتطلب مهارات متقدمة، كما يزداد الطلب على مهارات بشرية، يصعب على الآلات تقليدها، مثل التفكير الإبداعي، وحل المشكلات المعقدة، والقيادة، والتواصل الفعال.
وتسعى الإمارات إلى الاستفادة من هذا التحول، من خلال الاستثمار في رأس المال البشري، حيث تعمل على تحديث المناهج التعليمية، لتشمل المهارات الرقمية والتقنية، وتشجع على تعلم البرمجة، والروبوتات، والعلوم المتقدمة منذ المراحل الدراسية المبكرة. كما أطلقت الدولة مبادرات، لإعادة تأهيل الموظفين، وتمكينهم من اكتساب مهارات جديدة، تتماشى مع متطلبات المستقبل.
كما يمثل الذكاء الاصطناعي فرصة، لتعزيز ريادة الأعمال والابتكار، إذ يتيح للشركات الناشئة تطوير حلول ذكية في مجالات متنوعة مثل التكنولوجيا المالية، والصحة الرقمية، والطاقة المتجددة.
كما يبرز بُعد اجتماعي مهم في هذا التحول، يتمثل في ضرورة تحقيق توازن بين التطور التكنولوجي، والاستقرار الوظيفي.
وبالطبع لا يمثل الذكاء الاصطناعي تهديداً لمستقبل الوظائف في الإمارات، بقدر ما يمثل فرصة تاريخية لإعادة صياغة سوق العمل، وبناء اقتصاد أكثر مرونة واستدامة. غير أن تحقيق هذه الرؤية يتطلب استثماراً مستمراً في التعليم، والتدريب، والابتكار.