لا تزال الأجواء بين الولايات المتحدة وإيران ملبّدة بالغيوم، وتحمل مؤشرات غير مريحة على احتمال اندلاع مواجهة عسكرية بينهما في أي وقت. فرغم ما تردد عن تحقيق «تقدم مهم» في جولة المفاوضات الثالثة التي جرت على مرحلتين في جنيف يوم أمس الأول حسب قول وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي الذي يدير المفاوضات، وتأكيد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عن «تحقيق تقدم جيد» في المباحثات، والتطرق «بجدية بالغة إلى عناصر الاتفاق، وذلك في المجال النووي وفي مجال رفع العقوبات المفروضة على إيران»، والاتفاق على الاجتماع في فيينا على المستوى التقني الأسبوع المقبل، إلا أن واشنطن التي لم تحدد رأياً بما تحقق، تواصل حشد قواتها العسكرية في المنطقة، والإدلاء بمواقف تصعيدية، إما بهدف ممارسة الضغط على طهران لتقديم المزيد من التنازلات، وإما أنها تستعد فعلاً للقيام بضربة عسكرية واسعة ضد مواقع عسكرية وصاروخية ونووية إيرانية، وأن المفاوضات مجرد «قنبلة دخانية» للتغطية على العمل العسكري.
ما يتم تسريبه من معلومات لا يدعو إلى التفاؤل، خصوصاً أن واشنطن عززت انتشارها العسكري إلى مستويات غير مسبوقة، وأن فرص التصعيد باتت أعلى من فرص التوصل إلى اتفاق سريع، خصوصاً بعد انضمام حاملة الطائرات «جيرالد فورد» إلى الحشد العسكري، ووصول عشرات الطائرات المقاتلة الأمريكية إلى المنطقة، وتدفق قوات أمريكية على إسرائيل من بينها فرقة متخصصة بالمسيرات الانتحارية، المعروفة باسم «فرقة العمل سكوربيون» التي أنشئت عام 2025 ضمن أكبر حشد عسكري أمريكي في المنطقة منذ عام 2003.
بدوره رفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من سقف الخطاب المعادي لإيران في خطاب الاتحاد، حيث اتهمها باستئناف برنامجها النووي وتطوير صواريخ قادرة على الوصول إلى الولايات المتحدة، كما كرر وزير خارجيته ماركو روبيو اتهامات ترامب معتبراً أن ترسانة إيران الصاروخية تمثل تهديداً للمصالح الأمريكية، في حين تؤكد مصادر استخباراتية أمريكية أن المعطيات المتوفرة لا تدعم تصريحات ترامب «المبالغ فيها». كما أشار تقييم استخباراتي، رفعت عنه السرية عام 2025، إلى أن إيران قد تحتاج حتى عام 2035 لتطوير صاروخ باليستي عابر للقارات، وأن ما تملكه الآن هي صواريخ يصل مداها إلى 2000 كيلومتر.
إذاً، لماذا هذا التصعيد العسكري والسياسي فيما تم الاتفاق على الاجتماع مجدداً في فيينا بمشاركة مدير عام وكالة الطاقة الذرية رافائيل غروسي لبحث دور الوكالة في تنفيذ ما يتم التوصل إليه من قرارات بشأن نسبة تخصيب اليورانيوم، والتفتيش على المنشآت النووية الإيرانية، ومناقشة مصير مخزون إيران من اليورانيوم المخصب البالغ 10 أطنان الذي تطالب واشنطن بالتخلي عنه، وأن تتعهد طهران بعدم امتلاك أي سلاح نووي.
الإيرانيون يؤكدون أنهم سيقدّمون ما أمكن من التنازلات للوصول إلى اتفاق وبما لا يتعارض مع السيادة الإيرانية، وأن إيران «لن تطور أي سلاح نووي تحت أي ظرف» كما أكد الرئيس بزشكيان ووزير الخارجية عراقجي.
هل تفعلها واشنطن وتهاجم إيران في ظل المفاوضات، كما تخطط إسرائيل، والمخاطرة بحرب إقليمية قد تتحول إلى «مأزق استراتيجي» للولايات المتحدة، وإلى أزمة طاقة عالمية غير مسبوقة قد تؤثر في معظم دول العالم.