حين تقترن الفلسفة بالتدين، فنحن أمام فهم عميق شامل لرسالة السماء، لأن الفلسفة تقوم على التساؤلات لا الإجابات، على الشك لا اليقين، فإذا كان الفيلسوف مؤمناً فقد صعد جبالاً وعرة وسبح في محيطات بلا قيعان، ليرسو في نهاية المطاف على مرفأ الدين، ويسلم عقله ووجدانه لله سبحانه وتعالى، فما بالك لو كان هذا الرجل هو أول فيلسوف في الإسلام؟ أي لم يتفلسف مسلم قبله لأكثر من مئتين وثلاثين سنة، يبحث في ماهية الوجود والذات ويتكلم عن الله بالعقل المجرد، لندرك حجم المشقة التي عاشها! نتحدث عن يعقوب بن إسحاق الكندي.
ليس بين مؤلفات الكندي الغزيرة كتاب واحد في الدين، فهو لم يفسر القرآن ولا شرح الأحاديث النبوية ولا كتب في السيرة، فقط له آراء فلسفية أودعها كتابه «رسالة التوحيد» الذي خالفه فيه المتشددون، على الرغم من كونه دفاعاً عن أصول العقيدة الإسلامية في مواجهة تيارات الإنكار المعادية للإسلام، وتيار الجامدين الذين يرفضون العلوم العقلية، وأراد الكندي من تأليف كتابه «إقامة الحجة على وجود الله الواحد الحق، بأدلة تقمع كفر الجاحدين، وتبين عورات مذاهبهم المُردية إلى الهلاك».
وقال في رسالته: «إذا كانت الوحدة في الأشياء ليست ذاتية، بل بالغرض، وإذا كانت الأشياء هي القابلة للوحدة، فلابد لذلك من وجود واحد حق، هو الذي يفيد الوحدة لغيره ولا يستفيد من غيره، والواحد الحق هو الأول».
كما أنه قارن بين النبوة والفلسفة، وقال إنهما طريقتان مختلفتان للوصول إلى الحقيقة، وقد فرّق بينهما في أربعة أوجه، الأول: أن الفيلسوف يلزمه أن يخضع للتدريب والدراسة زمناً يطول أو يقصر حسب قدراته، بينما النبوة يسبغها الله على من يختاره من البشر، الثاني: أن الفيلسوف يصل إلى الحقيقة بتفكيره وبصعوبة بالغة، بينما النبي يهديه الله إلى الحقيقة، والثالث: أن فهم النبي للحقيقة أوضح وأشمل من فهم الفيلسوف، والرابع: أن قدرة النبي على شرح الحقيقة للناس العاديين، أفضل من قدرة الفيلسوف، لذا يتفوق النبي على الفيلسوف في أمرين: السهولة والدقة اللتين يتوصل بهما للحقيقة.
وقامت الدنيا ولم تقعد، ووصفوا أقواله بأنها «أرسطية النزعة»، أي اتبع فيها منهج أرسطو وطريقة تفكيره عن الكون والوجود، وشنّ جعفر بن محمد البلخي حملة على الكندي، وأغرى به العامة ليتطاولوا عليه. ولم يتراجع الكندي عن رأيه حتى مات سنة 256 هجرية.
آخر الكلام
أول فيلسوف مسلم
1 مارس 2026 00:52 صباحًا
|
آخر تحديث:
1 مارس 00:52 2026
شارك