وليد عثمان

أن تخسر إسرائيل تأييد أغلبية الرأي العام الأمريكي الذي تحول نحو التعاطف مع الفلسطينيين، أمر متوقع، تأسيساً على الشطط الإسرائيلي في التعامل مع ملف غزة وتحوله في كثير من الأحوال إلى عبء على الإدارة الأمريكية نفسها قبل أن يكون مدعاة لتحول في مواقف مشرعين وساسة وصولاً إلى الشارع.
الخسارة متوقعة لأن لها مقدمات لم تستنكف فقط سلوكيات حكومة بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، وتخطيها حتى حدود التطرف في حالات كثيرة، بل أيقظت حوارات حول الدعم الأمريكي التاريخي لإسرائيل، وجدوى استمراره، وطبيعته في المستقبل، بل مدى أخلاقيته أو تعبيره عن قيم مشتركة بين واشنطن وتل أبيب بخلاف المصالح الاستراتيجية.
استطلاع غالوب الجديد الذي يرصد ما يوصف بانقلاب في موقف الرأي العام الأمريكي تجاه إسرائيل، يسجل تعاطفاً للأمريكيين مع الفلسطنيين أكبر منه مع الإسرائيليين، وتأييداً لقيام دولة فلسطينية، وهو أمر غير مسبوق منذ عام 2001.
قبل ربع قرن، طرحت مؤسسة غالوب، ضمن استطلاعها الداخلي السنوي، سؤالاً عن نسبة تعاطف الرأي العام الأمريكي مع إسرائيل، وكان لافتاً هذا العام أن التأييد المتوقع لها، بطبيعة الأمر، تحوّل إلى الفلسطينيين بنسبة 41 في المئة بينما بقي لها 36% في المئة. وكانت نسبة التأييد في العام الماضي 46 في المئة لمصحلة إسرائيل، مقابل 33 في المئة للفلسطينيين.
الأهم في المسألة، بعيداً عن مدى الفارق أو دلالته، أن الشارع الأمريكي، لأول مرة، لا يؤثر إسرائيل بغالب تعاطفه، بل إن 57 في المئة من المشمولين باستطلاع غالوب يؤيدون قيام دولة فلسطينية في الوقت الحالي.
مرة أخرى، ومن غير بناء آمال فلسطينية وعربية كبيرة على ذلك، فإن نتيجة الاستطلاع مؤشر لما رافق الحرب على غزة من بداية تآكل الصورة الإسرائيلية في الذهنية السياسية والشعبية الأمريكية، وهو أمر تكرر في عواصم كثيرة وعبّر عن نفسه في تصريحات غير مسبوقة لزعماء ومسؤولين وشعوب، وإجراءات قانونيةغير معهودة، لكن ما حدث في أمريكا أعمق في دلالاته، حتى لو كان رمزياً أو قليل الأثر في العلاقة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
سبق لاستطلاع منتصف العام الماضي أن كشفت اتساع الفجوة بين الديمقراطيين والجمهوريين بشأن موقف الولايات المتحدة من الصراع في غزة، ورأى معظم المشاركين فيه أن إسرائيل تلعب دوراً سلبياً في التحديات الرئيسية بمنطقة الشرق الأوسط، وانقسمت الآراء بين ما إذا كانت الإجراءات الإسرائيلية في غزة والمنطقة مبررة أم غير ذلك.
وتحدث كثيرون أيضاً عن أن نفوذ إسرائيل داخل الدوائر السياسية الأمريكية يتراجع، وأن انتقادها لم يعد محرماً أو خطاً أحمر، وعبّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن ذلك بنفسه قائلاً إن صورة إسرائيل داخل بلاده شوهتها الحرب على غزة، وهو أمر أيدته تحولات موثقة في موقف الشباب الأمريكي إلى حد تأييد حماس في بعض الأوقات أو التظاهر في الجامعات رفضاً للحرب.

[email protected]