في النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي في جزيرة العرب، جرت قصة من أشهر الحكايات التي خلدت بين الناس، هي التي كان بطلها الشيخ الفقيه الشاعر عبد الرَّحيم بن أَحمد بن علي البُرَعِيُ اليماني المتوفى في عام 803 ه، وتخبر عن المحبة وقوة الإيمان والعزم الأكيد، حيث أراد عبد الرحيم الذي عرف بمحبة الله ورسوله الوصول إلى بيت الله الحرام، وفي الطريق كان ينشد قصائده التي تعبر عن مدى شوقه للحج، لكن للأسف مات قبل أن يصل إلى بيت الله ويحقق أمنيته في الحج، ودفن في الطريق.
خلال هذه الرحلة ترك عبد الرحيم أثراً عظيماً، حيث خلّف وراءه تلك القصة العبرة، وأهدى للأجيال المتلاحقة قصيدة عظيمة ما زالت تردد في مختلف المناسبات، فعندما اشتد بالبرعي المرض وهو في طريقه إلى الحج، وعرف أن منيته قد اقتربت، أنشد قصيدة أصبحت أيقونة ودرة فريدة، هي تلك التي كان مبتدؤها:
يا راحلين إلى منى بقيادي
هيجتمُ يوم الرحيل فؤادي
وتقول الرواية إن عبد الرحيم عندما وصل إلى الأبيات الأخيرة من القصيدة، فاضت روحه إلى بارئها في ذلك المكان، ودُفن في منطقة خليص قبل أن يدخل مكة، واعتبر العلماء موته على أعتاب الحرم وهو في حالة الشوق هذه علامة من علامات حسن الخاتمة، والقصيدة تشير إلى ذلك القلب الرقيق والمشاعر النبيلة التي تفرد بها هذا الشاعر المتصوف، حيث تقول تلك الأبيات الأخيرة:
فإذا وصلتم سالمين فبلغوا
مني السلام أهيل ذاك الوادي
قولوا لهم عبد الرحيم متيم
ومفارق الأحباب والأولاد
امتلأ قلب عبد الرحيم بحب النبي، وأحبه الناس، وانتشرت قصائده التي كانت وسيلته للتقرب إلى الله تعالى، بين الناس، فأحبوه وعشقوا شعره لدرجة أنهم صاروا يقرؤونه في المناسبات الدينية، فصار مشهوراً، لكن كل تلك الشهرة لم تعن له الشيء الكثير فقد كان القلب معلقاً بالطريق حيث الفيوض والمعاني والمعارف والأنوار، فكان أن انصرف نحو العبادة والتفقه والتدبر.
عزة النفس
ولد عبد الرحيم في بُرَع، وهو جبل من جبال تهامة، مما يلي اليمن، وعاش في قرية من ذلك الجبل تدعى النيابتين، هي اليوم من محافظة الحديدة. وعلى الرغم من أن عبد الرحيم قد عاش فقيراً شديد الفاقة، وهو الأمر الذي يظهر جليّاً في أشعاره، إلا أنه لم يكن متهافتاً ولم يُسجَّل عليه أنه تسابق على مدح أحد.
نشأ البرعي في بيئة علمية مزدهرة في اليمن في العصر الذي عاش فيه، وتلقى العلم على يد كبار علماء ذلك الوقت في زبيد وكانت مركزاً إشعاعياً للعلم في ذلك العصر، وتتلمذ على يد فقهائها ومحدّثيها في النحو والفقه والحديث، حيث عاصر الإمام الفيروز آبادي، صاحب القاموس المحيط، والعلماء محمد بن أبي بكر الفارسي والصنبري والكمراني، الذين ساهموا في تشكيل البيئة الثقافية والدينية التي نهل منها، وحظي عبد الرحيم بمكانة رفيعة لدى العلماء والمؤرخين، حيث لم يُنظر إليه كمجرد شاعر، بل كعالم وفقيه صوفي جمع بين جودة النظم ورسوخ العلم، حيث ذكر أصحاب التراجم أنه كان مفتياً وعالماً متبحراً في الفقه والنحو، وقصده الطلاب من أماكن شتى للتعلم منه.