خلال السنوات الأخيرة، ازداد الحديث عن تمكين المرأة، وارتفعت المطالبات بتكافؤ الفرص وتعزيز القدرات وفتح المسارات المهنية أمامها. هذا الزخم كان ضرورياً، لكنه أحياناً قدّم التمكين كما لو كان مرحلة جديدة بالكامل، توحي بأن حضور المرأة في مسيرة المجتمع بدأ حديثاً.
إلا أن تاريخ المجتمعات يبيّن أن دور المرأة في الواقع كان دائماً جزءاً أصيلاً من مسار البناء والتنمية. ومن هنا يأتي يوم المرأة العالمي مناسبة للتأمل، ليس فقط فيما تحقق من منجزات، بل أيضاً في المفاهيم التي تؤطر فهمنا لمسيرة التمكين، وكيفية تقديم صورة أكثر اتزاناً لدور المرأة في وعي الأجيال المتعاقبة.
فالمرأة عبر العصور، كانت حاضرة في عمق البناء الاجتماعي. في البيت أدارت شؤون الأسرة بوصفها مركز الاستقرار والتوازن، وصاغت منظومة القيم التي يتكوّن منها وعي الأجيال.
أمام هذه الحقائق يبرز سؤال طبيعي: لماذا أصبح التمكين محوراً رئيسياً في السياسات التنموية المعاصرة؟ ما الذي تغيّر في بنية المجتمعات؟ وكيف يمكن فهم التمكين بطريقة تنصف المرأة وتحفظ في الذاكرة دورها التاريخي المحوري؟
الذي تغيّر هو شكل الاقتصاد وطبيعة العمل وإيقاع الحياة. فقد أعادت التحولات الصناعية، تلتها التحولات الرقمية، تشكيل أسواق العمل، وأصبح الإنتاج يعتمد بدرجة أكبر على اكتساب المهارات المتخصصة ومواكبة التطور التقني.
في ضوء هذه التحولات، لم يعد التمكين مسألة تخص المرأة وحدها، بل أصبح شرطاً أساسياً لتطور المجتمعات كلها. فالمرأة تؤدي دوراً اجتماعياً محورياً في الأمومة ورعاية الأجيال واستقرار الأسرة، وهي أدوار تتقاطع اليوم مع متطلبات الحياة الحديثة. ولذلك فإن تمكين المرأة في هذا السياق لا يقوم على افتراض نقص في قدرتها على المواكبة، بل على فهم واقعي لطبيعة دورها الاجتماعي وأثره في توازن المجتمع.
وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، شكّلت رؤية القيادة نموذجاً متقدماً في ترسيخ هذا الفهم لتمكين المرأة، حيث جرى العمل على بناء منظومة متكاملة تتيح للمرأة المشاركة الفاعلة في مختلف القطاعات، من الاقتصاد وريادة الأعمال إلى العلوم والتكنولوجيا وصناعة القرار. وقد أسهمت هذه البيئة الداعمة في تعزيز حضور المرأة الإماراتية وإبراز دورها في صياغة مسارات التنمية الوطنية.
وانطلاقاً من هذه الرؤية، تعمل مؤسسة نماء للارتقاء بالمرأة ضمن مسار متكامل يعزز دور المرأة في التنمية ويواكب التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة. ويرتكز عمل المؤسسة على محورين رئيسيين: يتمثل الأول في الاعتراف بتاريخية دور المرأة ومكانتها المتأصلة في مجتمعاتنا، مع العمل على دعم قدراتها وتوسيع الفرص التي تتيح لها مواصلة الإسهام في مختلف مجالات التنمية. أما المحور الثاني فيتمثل في صياغة تجربة خاصة بالمرأة الإماراتية ضمن هذه التحولات العالمية، تجربة تنطلق من قلب المجتمع الإماراتي وثقافته وبنيته الأسرية، وتستجيب في الوقت نفسه لمتطلبات التنمية الوطنية وطموحاتها المستقبلية.