د.أيمن سمير

لم تعد قضية الشيخوخة وتراجع معدلات الإنجاب قضية اجتماعية أو اقتصادية، بل باتت تهدد «الأمن القومي للكثير من الدول، ففي السابق كانت بعض الحكومات تتهم الزيادة في معدلات الإنجاب بأنها السبب وراء التهام أي زيادة في النمو الاقتصادي، ووصل الحال في بعض الدول مثل الصين أنها منعت في وقت من الأوقات تقديم الدعم الاقتصادي والصحي للطفل الثاني والثالث في الأسرة حتى تسيطر على الزيادات الهائلة في النمو السكاني، وفي السابق كان ينظر إلى زيادة عدد السكان الذين فوق 65 عاماً باعتباره دليلاً على نجاح الرعاية الصحية، لكن عندما يتجاوز عدد كبار السن معدلات المواليد والشباب، تدخل الدولة في حالة من الانكماش الحيوي الذي يعيد صياغة قوتها العسكرية والاقتصادية، والاجتماعية، وهو ما يراه البعض «تهديداً وجودياً».

هذا الخطر لا يتعلق بتراجع القوة الاقتصادية والصناعية فحسب، بل يهدد القدرة العسكرية، والاستقرار السياسي، وقد يصل الأمر لدى بعض التقديرات بأن هذه القضية يمكن أن تؤثر في «المكانة الجيو- استراتيجية» لهذه الدولة أو تلك، وهو ما يقول إن تراجع الإنجاب يشكل «قنبلة ديمغرافية صامتة»، ولهذا فإن قضية الإنجاب والشيخوخة سوف يكون لها دور كبير في «رسم الخريطة الجيوسياسية»، وأن الدول التي تواجه «خريفاً ديمغرافيا» مثل إيطاليا واليابان وحتى الصين قد تتقلص طموحاتها على المستوى العالمي نتيجة لتراجع معدلات الإنجاب فيها.

وهناك مؤشرات على خطورة هذه القضية على مستقبل البشرية حيث تراجع معدل المواليد عالمياً إلى نحو 5.6 مولود لكل 1000 شخص، وهو الأدنى منذ عقود طويلة، فالولايات المتحدة على سبيل المثال تتوقع أن يتجاوز عدد الوفيات عدد المواليد بحلول عام2030، كما أن الصين دخلت في عام 2025 ما يسمى «بالخريف الديمغرافي» مع تسجيل أقل معدل إنجاب منذ عام 1949 في ظل تحديات اقتصادية وعسكرية نتجت عن سياسة «الطفل الواحد» في السابق، فهذا الطفل «الوحيد» بات يقع عليه كل شيء، بداية من العمل في المصانع إلى التجنيد في الجيش، كل ذلك بالتوازي مع ارتفاع عدد الصينيين في سن 60 إلى 30% من السكان بحلول عام 2034، وفي أوروبا بات هناك 22% من سكان الاتحاد الأوروبي فوق 65 عاماً مع تراجع مستمر في معدلات الإنجاب، وبينما تعيش اليابان وإيطاليا وألمانيا «أزمة شيخوخة حادة» تمر دول أخرى بمرحلة «الربيع الديمغرافي» مثل الهند وإندونيسيا وقارة إفريقيا

فما هي التداعيات السياسية والعسكرية والاقتصادية لتراجع معدلات المواليد وزيادة نسبة الشيخوخة؟ وهل الهجرة الشرعية، وتوظيف التكنولوجيا، والتشجيع على إنجاب الأطفال حلول عملية؟ وما أهمية إعادة تعريف مفهوم الأمن ليشمل «الأمن الديمغرافي» كجزء لا يتجزأ من «استراتيجيات البقاء»؟

تحديات

يشكِّل تراجع معدلات المواليد وزيادة عدد من هم فوق 65 عاماً تحدي غير مسبوق للكثير من الدول، لأنه ينعكس على جميع صور النجاح أو الفشل، فهناك مخاوف جدية بأن السبب الذي قد يمنع الصين من تجاوز الولايات المتحدة هو التحدي الديمغرافي وتراجع معدل المواليد، وتراجع أوروبا سياسياً واقتصادياً وعسكرياً يرجعه البعض إلى أن أوروبا باتت عجوز، وينعكس تراجع معدلات المواليد، وزيادة نسبة المسنيين على مجموعة من المسارات وهي:

أولاً: الخزان البشري والتجنيد

تعتمد القدرة العسكرية لأي دولة أو أمة على «الخزان البشري» في حشد وتجنيد الشباب للدفاع على مقدراتها وحدودها، وتؤثر الشيخوخة وتراجع الإنجاب في قدرة الجيوش في تأمين عدد المجندين والمتطوعين والمتعاقدين، ووفق عدد من الدراسات فإن تراجع معدلات الإنجاب بالتزامن مع الارتفاع الحاد في نسب الشيخوخة يؤثر بشكل حاسم على فاعلية وقدرة الجيوش على اختيار العناصر العسكرية المؤهلة للقيام بالواجب الوطني، كما أن ارتفاع عدد كبار السن يأخذ من الأموال المخصصة للجيوش، ويتم إنفاقها على الرعاية الصحية والاجتماعية، كما أن توجيه الأموال إلى رعاية من هم في سن الشيخوخة يضعف قدرة الدول والجيوش على شراء الأسلحة الحديثة وتطوير ما لديها من أسلحة، ووصل الأمر إلى أن بعض الجيوش اضطرت إلى تخفيض «معايير» اختيار ضباط الصفين الأول والثاني نتيجة لعدم وجود أعداد كافية للاختيار من بينها، وهو ما يقلل من احترافية ومهنية هذه الجيوش التي باتت تواجه تحديات غير مسبوقة للتعامل مع أسلحة وذخيرة معقده تحتاج إلى كفاءات عالية، وهنا تقف الحكومات أمام تحدي آخر وهو المقايضة الصعبة بين «المدافع» و«العكازات» حيث يتم تقليص الإنفاق العسكري والاستثمار في التكنولوجيا الدفاعية لتغطية العجز في صناديق التقاعد، ناهيك عن تراجع عدد الفئات العمرية بين 18 و30 عاماً يقود إلى تراجع قدرة الدول على خوض حروب استنزاف طويلة، ولهذا تضطر الكثير من الدول إلى تقديم حوافز لجذب الشباب للعمل في الجيش، وهو ما يجعل الحفاظ على جيش كبير عبئاً مالياً ضخماً، فعلى سبيل المثال تراجع عدد الجيش البريطاني بشكل غير مسبوق إلى نحو 71 ألف جندي فقط نتيجة للكُلف المرتفعة لجذب الشباب إلى الجيش البريطاني الذي بات عدد عناصره أقل من عدد الجيش البريطاني في عهد نابليون بونابرت، لكن الخطر الأكبر على الجيوش هو «شيخوخة الفكر العسكري»، لأن المجتمعات التي بها عدد أكبر من كبار السن تميل إلى «تجنب المخاطر»، بينما المجتمعات الشابة تكون قراراتها أكثر جراءة، ويرتبط بكل ذلك أن النقص في المهندسين والعلماء الشباب يهدد الصناعات الدفاعية والسيبرانية، وهي الركائز الجديدة للأمن القومي، وفي أغلبية أوروبا تجد الجيوش الأوروبية صعوبة متزايدة في التجنيد وسد العجز في الصفوف العسكرية بما يجبر تلك الدول على تقليص حجم جيوشها، أو الاعتماد المفرط على التقنية والذكاء الاصطناعي الذي لا يعوض دائماً الوجود الميداني، أو تضطر إلى فتح باب التجنيد للمهاجرين، وهو ما يثير نقاشات حول «الولاء» والانسجام الوطني، ونتيجة لكل هذه التحديات تتصارع في أوروبا ما يسمى «الزبدة مقابل المدافع»، والزبدة تعني الحفاظ على «الرفاهية الاجتماعية» لكبار السن، مقابل عدم وصول كثير من الدول الأوروبية إلى نسب إنفاق دفاعي كما هو الحال في الولايات المتحدة والصين وروسيا.

ثانياً: الاقتصاد

يعتمد اقتصاد أي دولة على ما يقدمه موطنيها من ابتكار وجهد وإنتاج، لكن مع تراجع الإنجاب وزيادة معدلات الشيخوخة باتت الشرائح العمرية التي تخدم الاقتصاد أقل عدداً، وتعد الصين خير نموذج على ذلك حيث يرى خبراء الاستراتيجية الصينية أن تراجع عدد المواليد مع زيادة عدد من هم في سن الشيخوخة أكبر خطر على مستقبل الدولة الصينية التي يشكل تراجعها للمرتبة الثانية -من حيث عدد السكان- بعد الهند أكبر تحدي لها في الوقت الحالي، لأن قلة عدد المواليد وتراجع معدلات من هم في سن العمل بات يؤثر في الأيدي العاملة الرخيصة التي كان يتمتع بها الاقتصاد الصيني، وهي الميزة التنافسية التي ظلت تتباهى بها الصين لجذب الاستثمارات والمنافسة في الأسواق العالمية، وهو الأمر الذي يمكن أن يقود إلى تباطئ النمو الاقتصادي العالمي، وتخشى الدول التي تشهد تراجعاً في المواليد مثل اليابان وألمانيا اليابان أن تفقد مكانتها الاقتصادية لصالح دول أخرى لا تزال تتمتع بربيع ديمغرافي، ففي الصين يخشون من أن تسارع وتيرة الشيخوخة قد يمنع الصين من تجاوز الولايات المتحدة اقتصادياً، لأن الحفاظ على معدلات نمو كبيرة يعتمد على زيادة الإنتاجية ونمو عدد العاملين، وعندما يتقلص عدد السكان في سن العمل يصبح من الصعب الحفاظ على معدلات نمو مرتفعة، ونتيجة لتراجع الأيدي العاملة في بعض الدول بدأت بالفعل تظهر فجوات في قطاعات حيوية مثل الصناعة والخدمات الصحية والتكنولوجيا، كما يؤدي ذلك إلى ارتفاع كُلف الأجور، وهو ما يضغط على أرباح الشركات ويؤثر في قدرتها التنافسية عالمياً.

ثالثاً: الإعالة

هناك توقعات بأنه عام 2050 أن يتساوى عدد الأطفال الذين تحت سن 15 بعدد من هم فوق 65 عاماً، وهو ما يشكل ضغطاً على نسبة الشباب التي يتوجب عليهم العمل ودفع الضرائب لرعاية من هم في سن الشيخوخة، وتطرح قضية الإعالة من جديد فكرة «صراع الأجيال» بين جيل الشباب الذي ينتج، وفئة كبار السن التي تستهلك الموارد التي ينتجها الشباب.

رابعاً: التكنولوجيا

باتت التكنولوجيا والذكاء الصناعي هما محور تقدم وتفوق أي دولة في كافة المجالات، ودائماً ما تكون ذروة الإبداع العلمي في الفئات العمرية الشابة والمتوسطة، بينما شيخوخة المجتمع تعني تراجعاً في براءات الاختراع، والحلول التكنولوجية التي تجعل هذه الدول أو تلك تسبق بخطوات الدول الأخرى، ودائماً ما ترتبط التكنولوجيا الجديدة بالفئات العمرية الشبابية، ولهذا تحتاج خطوط الإنتاج الذكية مثل الهواتف المحمولة والأقمار الصناعية إلى شباب، لكن عندما يدخل المجتمع في «الخريف الديمغرافي» تتراجع قدرة هذا المجتمع على التنافس والابتكار.

خامساً: التراجع الجيوسياسي

عندما تتراجع معدلات المواليد، ويزداد عدد كبار السن يحدث انكماش للاقتصاد الكلي، ونظراً لأن القوة الاقتصادية هي المحرك الرئيسي للقوة العسكرية، والتأثير السياسي الخارجي يؤدي كل ذلك إلى تراجع حضور وزخم هذه الدولة أو تلك على الساحة الدولية، وخير مثال على ذلك هي القارة العجوز التي يشيخ سكانها بمعدلات عالية بما يهددها بفقدان مقعدها كلاعب عالمي، وتتحول في نهاية المطاف إلى «متحف كبير» أو قوة ناعمة تفتقر إلى القدرة.

حلول

أمام هذا التحديات التي تمثلها قضية تراجع المواليد وارتفاع عدد كبار السن بدأت الكثير من الدول العمل على عدد من الاستراتيجيات ومنها:

أولاً: جيوش ذكية

وذلك عبر الاستفادة مما يقدمه الذكاء الصناعي وأنظمة الأسلحة غير المأهولة مثل المسيرات والزوارق الحربية السريعة بدون بحارة، بالإضافة إلى «الروبوتات العسكرية» كبديل عن غياب العنصر البشري، وحققت الولايات المتحدة والصين وروسيا وبريطانيا تقدماً كبيراً في هذا المجال، وفي أوروبا يركزون أيضاً على التحول إلى «الاتحاد الدفاعي» والعمل الجماعي بعد أن تأكد أنه لم يعد بإمكان كل دولة أوروبية حماية نفسها بمفردها في ظل تراجع سكانها.

ثانياً: الدعم المالي

تقدم الكثير من الدول دعم مالي كبيرة للأسر التي تنجب أطفال كما هو الحال في روسيا والدول الأوروبية واليابان، وحتى الحكومة الصينية التي منعت الرعاية الطبية والتعليمية للطفل الثاني عندما كانت تطبيق سياسة «الطفل الواحد» بدأت خلال العامين الماضيين في صرف بدلات نقدية سنوية لكل طفل جديد، بل وشملت الرعاية الجديدة تحمل الحكومة الصينية نفقات الحمل والولادة لتشجع الأسر على مزيد من الإنجاب.

ثالثاً: الهجرة الذكية

هناك دول مثل الولايات المتحدة وكندا وأستراليا وأوروبا بدأت مسارات جديدة لفتح قنوات شرعية للهجرة بهدف سد العجز في العنصر البشري، لكن هذا المسار بات محفوفاً بالمخاطر من ظل التوجس من المهاجرين، حيث يتم طرح قضايا مثل «التماسك المجتمعي» و«الهوية الوطنية»، وهي ملفات تتعلق بالأمن القومي لهذه الدول، وتستغل الأحزاب اليمينية المتطرفة أخطاء المهاجرين للتحذير من المهاجرين، وتدعو هذه الأحزاب إلى الاكتفاء فقط بالتشجيع على الإنجاب وتوظيف التكنولوجيا.

المؤكد أن تراجع الإنجاب وزيادة عدد كبار السن ليست قضية إحصائية ديمغرافية، بل تحدي سيادي غير مسبوق يحتاج وضع «استراتيجيات استباقية» أبعد من التشجيع على الإنجاب، بل بضرورة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لتعويض النقص البشري، وإعادة صياغة أنظمة التقاعد، وتبني مفهوم «الشيخوخة النشطة» التي تقوم على تحويل كبار السن من «عبء اقتصادي» إلى «رصيد معرفي» مع إعادة تصميم أنظمة التعليم والعمل والدفاع لتعويض النقص البشري، فالدول التي تتبني مثل هذه السياسات المبتكرة هي التي سوف تحافظ على مكانها في الصفوف الأمامية لمقاعد الكبار.

[email protected]