وليد عثمان
تختطف الأصوات والوجوه، الجلي منها والمستتر، والحسابات المختلطة على وسائل التواصل الاجتماعي الرأي العام العربي، وتكاد تصادر حرية التعبير من كل ما سواها من فئات في أقطار المنطقة.
وتحت ستار «حرية التعبير» التي تتيحها هذه المنصات، تصرّ قطاعات كبيرة من مستخدميها على قمع كل صوت مخالف، وصد أي رأي مختلف، إما باتهامه بالانتماء مدفوع الثمن أو المغرض، أو سيل من الإساءات، أو الحظر باعتباره أقرب طرائق قتل النقاش وأكثرها شيوعاً.
ومن أسف أن هذه الجماعة الافتراضية التي يجمع التهور كتلتها الرئيسية، رغم التباين بين مكوناتها في التأهيل العلمي والثقافي والوظيفي، أصبحت ترى في نفسها النخبة العربية الوازنة الجديرة بأن يعود إليها كل مسؤول قبل أي تصرف، وأن يستأنس برأيها من له صلة بقرارات التفاوض والحرب والسلام، وأن تستشار في دقائق الصناعات السكرية والمسائل الاستراتيجية، والمهرجانات الفنية، والخطط الرياضية، والشؤون التربوية، وأسرار الحياة الزوجية، وفنون الطبخ، وخطوط الموضة، وأمور الدين والفتوى، وصيحات الديكور، والدراما..
إبداء الرأي حق محترم، وبين رواد وسائل التواصل الاجتماعي خبراء معتبرون، ولا خيبة في الاستشارة، لكن النخبة الافتراضية منقسمة على نفسها، فلا هي تيار مرجعي واضح الملامح يمكن التعويل عليه، ولا هي مبرأة من عيب ادعاء كل فرد فيها الصواب المطلق، حتى لو كان رأيه في غير تخصصه.
إن هذه الجماعة لا تدعي الكمة الخالصة والتعبير الحصري عن مجتمعاتنا فقط، بل إنها أصبحت أقوى من الأصوات التي تنتمي إلى ما كان يمثل النخبة الحقيقية في بلداننا، وينتج عن ذلك أمران: إما تواري هذه الأصوات عن ساحات التعبير، بعزوف شخصي أو العجز عن التأثير وسط الضجيج، وإما اضطرارها إلى مجاراة تقاليدها الشعبوية والتورط في طرح آراء وتصورات عن الشؤون الجارية تغازل مجموعات الضغط الافتراضية، أو تستجيب لشروطها.
نعلم أن كثيراً من آفاق التعبير الحقيقي عن الرأي والاستنارة بالخبرات الحقيقية مسدودة في معظم الأقطار العربية، ونفهم أن النخب التقليدية تشظّت إلى حد كبير، لكن ما تبقى منها غير قادر على إدارة حوار عربي – عربي حقيقي يرفد أصحاب القرار بمقترحات وتصورات للتعامل مع الأمور الآنية والمنتظرة. الأخطر أن آراء بعض أصحاب الخبرات الأمنية والسياسية والإعلامية تبدو منفصلة عن واقعها، أو ساعية إلى الرضا الشعبي على وسائل التواصل.
إن غالب ما تنشغل به النخب الافتراضية الآن وتحاول تسويقه على أنه آراء الشعوب في الظروف الراهنة هو نوع من العبث الذي ابتلي به الواقع العربي، وخطره لا يرتد على مروجيه وحدهم.
هذا الوضع المضطرب قد يليق بشؤون الترفيه، والمواجهات الكروية، وصراعات نجوم الدراما على الصدارة، لكنه حين يكون السائد في أوقات مواجهة الخطر الجماعي، يصبح معارك عبثية تشغل عن الحروب الجادة، وتزيد الغبار حول اتجاهات الشعوب الحقيقية، فلا يصل صوتها إلى صانع القرار.