خالد راشد الزيودي*

في تاريخ الدول لحظات مفصلية تختبر صلابة بنيانها الحقيقي. لحظات يتجاوز فيها الحدث بعده العسكري أو السياسي ليصبح اختباراً شاملاً لقدرة الدولة على حماية استقرارها وإدارة الأزمات بثقة وحكمة. وفي خضم التوترات التي شهدتها المنطقة، جاء العدوان الإيراني الغاشم على دول الخليج العربي عموماً، وعلى دولة الإمارات العربية المتحدة خصوصاً، ليشكل واحدة من تلك اللحظات التي تكشف معادن الدول وتظهر عمق قوتها المؤسسية.
مثل هذه الاعتداءات الغاشمة لا تستهدف حدوداً جغرافية فحسب، بل تحاول المساس باستقرار منطقة بأكملها. غير أن ما كشفته هذه التطورات هو حقيقة راسخة في المشهد الخليجي: أن دول الخليج العربي، وفي مقدمتها الإمارات العربية المتحدة، لم تعد مجرد دول تنموية ناجحة، بل أصبحت دولاً راسخة المؤسسات تمتلك من أدوات القوة ما يمكّنها من مواجهة التحديات بثبات ووعي استراتيجي.
أول مظاهر هذه القوة تمثل في الجاهزية الدفاعية المتقدمة التي أظهرتها الإمارات في مواجهة أي تهديد يمس أمنها الوطني. فالمنظومة الدفاعية التي بنتها الدولة خلال العقود الماضية لم تأتِ صدفة، بل كانت نتيجة رؤية استراتيجية بعيدة المدى استثمرت في تطوير القدرات العسكرية والتكنولوجية وتعزيز التكامل بين المؤسسات الأمنية. هذه الجاهزية لم تكن مجرد استعراض للقوة، بل رسالة واضحة بأن أمن الإمارات واستقرارها يمثلان خطاً لا يمكن تجاوزه.
فالتجارب التاريخية تؤكد أن صلابة الدول الحقيقية تظهر أيضاً في تماسكها الداخلي وثقة مجتمعها بقيادتها الرشيدة فحين يتكلم قائد الوطن حفظه الله بعبارة بليغة عن صلابة الدولة وموقفها الدفاعي قائلاً: «الإمارات جلدها غليظ ولحمها مُرّ»، في إشارة واضحة إلى أن النهج السلمي الإماراتي ينبع من منطلق القوة والجاهزية، يبرز الدور المحوري لقيادة الإمارات العربية المتحدة في تعزيز الطمأنينة العامة والحفاظ على ثقة المجتمع. حضور القيادة بين الناس وتواصلها المستمر مع المجتمع بعث برسالة واضحة مفادها أن الدولة تقف بثبات إلى جانب شعبها، وأن مؤسساتها تعمل بكفاءة لحماية أمنه واستقراره.
كما كشفت هذه المرحلة عن الدور المتقدم للدبلوماسية الإماراتية في إدارة الأزمات الإقليمية. فالقوة السياسية في عالم اليوم لا تقاس فقط بقدرة الدولة على الرد، بل بقدرتها أيضاً على صياغة موقف سياسي متوازن يحشد الدعم الدولي ويعزز الاستقرار الإقليمي. وقد نجحت الإمارات في تقديم خطاب سياسي يجمع بين الحزم والمسؤولية، ويؤكد رفض الاعتداءات التي تهدد أمن الخليج واستقرار المنطقة، مع العمل في الوقت نفسه على تعزيز التنسيق الخليجي والعربي والدولي لمواجهة التحديات المشتركة.
وفي خضم هذه التطورات، لعب الإعلام الإماراتي دوراً محورياً في نقل الحقيقة وتعزيز الوعي العام. ففي عصر تتسارع فيه المعلومات وتنتشر فيه الشائعات، يصبح الإعلام المهني جزءاً أساسياً من منظومة الأمن الوطني. وقد قدمت المؤسسات الإعلامية في الإمارات نموذجاً متقدماً في نقل المعلومات بدقة ووضوح، مع الالتزام بالمصادر الرسمية وتقديم تحليل متزن للأحداث. هذا الدور الإعلامي ساهم في تعزيز ثقة المجتمع بالمعلومات الصحيحة، وفي تحصين الرأي العام ضد محاولات التضليل.
غير أن العنصر الأعمق في هذه التجربة يبقى قوة المؤسسات الإماراتية. فالدول التي تستطيع إدارة الأزمات بثقة ليست تلك التي تعتمد على ردود الفعل المؤقتة، بل تلك التي بنت عبر السنوات منظومة مؤسسية قادرة على العمل بكفاءة في مختلف الظروف. وقد أثبتت الإمارات أن استقرارها ليس نتاج لحظة عابرة، بل نتيجة مسار طويل من بناء المؤسسات وتعزيز كفاءتها وترسيخ ثقافة العمل المؤسسي.
في أوقات السلم، يعرف العالم الإمارات بوصفها دولة نجاح اقتصادي وتنمية مستدامة وتقدم حضاري. لكن لحظات التوتر تكشف وجهاً آخر لهذه التجربة، وهو وجه الصلابة الوطنية والقدرة على التكيف مع التحديات. فالدولة التي نجحت في بناء اقتصاد متنوع ومجتمع متماسك هي نفسها الدولة القادرة على حماية هذا الإنجاز عندما تواجه تهديدات خارجية.
لقد أثبتت الإمارات العربية المتحدة أن تجربتها التنموية لم تكن مجرد قصة نجاح اقتصادي، بل مشروع دولة متكامل يجمع بين التنمية والاستقرار والجاهزية الأمنية والدبلوماسية الفاعلة. ولهذا، لم يكن مستغرباً أن تواجه التحديات بثقة وثبات، وأن تظل نموذجاً لدولة قادرة على حماية مكتسباتها وصون استقرارها.
وفي ظل العدوان الإيراني الغاشم على دول الخليج العربي، تجلت هذه الحقيقة بوضوح أكبر. فقد أكدت الإمارات أنها دولة تعرف كيف تدير الأزمات، وتحمي أمنها، وتتمسك بثوابتها، وتقف بثبات إلى جانب أشقائها في الخليج في مواجهة أي تهديد يمس استقرار المنطقة.
ستظل دولة الإمارات العربية المتحدة قوية ومنيعة على كل المعتدين بإذن الله تعالى خلف قيادتها الرشيدة، وستبقى الامارات فريدة في العالم... إن نظرت إليها من الأعلى أبهرتك، وإن عشت فيها أكرمتك، وإن خالطت أهلها أحبتك، وإن عاينت نجاحها أذهلتك. ناجحة في الرخاء... قوية في الشدة.

*باحث دكتوراه في إدارة الأزمات والمخاطر.

[email protected]