خالد راشد الزيودي*
يُثبت التاريخ أن الممرات المائية لم تكن يوماً مجرد مسارات جغرافية عابرة، بل كانت خطوط تماس حقيقية بين الاستقرار والفوضى، وبين ازدهار الأمم واضطرابها. فمنذ فجر التاريخ، شكّلت هذه الممرات عصب التجارة العالمية، وكان التحكم بها أو تهديدها سبباً مباشراً في صعود قوى وانهيار أخرى. ولم تكن البحار والمضائق مجرد طرق لعبور السفن، بل ساحات اختبار لإرادة الدول، ومؤشراً دقيقاً على مدى قدرة النظام الدولي على فرض قواعده وحماية مصالحه المشتركة.
وفي عالم اليوم، الذي تحكمه سلاسل إمداد معقدة واقتصادات مترابطة بشكل غير مسبوق، أصبحت هذه الممرات أكثر حساسية من أي وقت مضى. فتعطّل ممر واحد لا يعني أزمة محلية، بل قد يتحول إلى موجة اضطراب تمتد آثارها إلى أسعار الغذاء والطاقة، واستقرار الأسواق، وحتى إلى تفاصيل الحياة اليومية للأفراد. وهنا تتجلى خطورة هذه النقاط الجغرافية الضيقة التي تحمل في طياتها وزناً استراتيجياً يفوق مساحتها بكثير.
وفي هذا السياق، يقف مضيق هرمز اليوم بوصفه أحد أخطر نقاط الاختبار في العالم، ليس فقط لأنه ممر حيوي للطاقة، بل لأنه يمثل نموذجاً واضحاً لقدرة المجتمع الدولي على حماية شرايينه الاقتصادية في مواجهة التهديدات. ففي هذا المضيق الضيق، يتقاطع الاقتصاد مع الأمن، وتُختبر جدية العالم في حماية مصالحه الحيوية، كما تُقاس قدرة الدول على منع تحويل الجغرافيا إلى أداة فوضى وابتزاز.
هذا الممر لا يمثل مجرد طريق لعبور السفن، بل هو شريان أساسي للاقتصاد العالمي، تمر عبره نسبة مؤثرة من تجارة الطاقة، إضافة إلى مواد حيوية تدخل في الغذاء والصناعة. ومع ذلك، أصبح هذا الشريان عرضة لسلوك إيراني عدائي وإرهابي ممنهج لا يمكن القبول به، يتجسد في تهديد السفن التجارية، وربما محاولات زرع الألغام البحرية، والتلويح بإغلاق المضيق أو فرض قيود غير قانونية على الملاحة.
هذا السلوك لا يمكن تفسيره سياسياً أو تبريره تحت أي ظرف، بل هو سلوك إرهابي صريح يستهدف استقرار الاقتصاد العالمي بشكل مباشر. فتعطيل الملاحة في مضيق هرمز لا يعني الضغط على دولة بعينها، بل يعني رفع أسعار الغذاء والطاقة، وتعطيل سلاسل الإمداد، وإلحاق الضرر بحياة الشعوب في مختلف أنحاء العالم.
وقد جاءت تحذيرات سلطان الجابر، وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة في الإمارات العربية المتحدة، والعضو المنتدب والرئيس التنفيذي لشركة «أدنوك» ومجموعة شركاتها، لتؤكد أن أي اضطراب في هذا الممر الحيوي ينعكس فوراً على أسعار الغذاء والطاقة وتكاليف المعيشة، ما يجعل من أمن هذا المضيق قضية تمس كل إنسان على وجه الأرض.
ولا تقتصر خطورة هذا السلوك على تهديد السفن فحسب، بل تمتد إلى استهداف مباشر لما يمكن وصفه ب«خبز العالم». فمرور غاز البترول المسال عبر المضيق يمثل جزءاً أساسياً من الحياة اليومية في كثير من الدول، كما أن مرور الكبريت يدخل في إنتاج الأسمدة التي تُعد أساساً للإنتاج الزراعي. وبالتالي، فإن أي تعطيل لهذا الممر يهدد الأمن الغذائي العالمي بشكل مباشر، ويكشف عن نمط من الإرهاب الاقتصادي المنظم الذي يتجاوز حدود النزاعات التقليدية.
وفي ظل هذه التطورات، شهد العالم تحركات دولية متسارعة، من بينها اجتماع ضم نحو 40 دولة، طُرحت فيه مبادرات لضمان تدفق السلع الأساسية، مثل المقترح الإيطالي بإنشاء «ممر إنساني» لتأمين وصول الأسمدة والغذاء إلى الدول الأكثر تضرراً. غير أن هذه المبادرات، رغم أهميتها، لا تزال غير كافية ما لم تُترجم إلى إجراءات حازمة تضع حداً لهذا السلوك الإرهابي بشكل حازم.
لأن التردد الدولي في التعامل مع هذا الملف يمنح هذا النهج مساحة للاستمرار، ويعيد إلى الأذهان دروساً تاريخية قاسية، مثل ما حدث في «حرب الناقلات» خلال الثمانينات، عندما أدى التراخي الدولي إلى تصاعد الهجمات على السفن التجارية.
إن ما يحدث في مضيق هرمز اليوم ليس مجرد تهديد عابر، بل محاولة لفرض منطق الفوضى على أحد أهم الممرات الحيوية في العالم. وهو سلوك يقوّض قواعد النظام الدولي، ويهدد استقرار الاقتصاد العالمي، ويضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لقدرته على حماية مصالحه المشتركة.
إن استقرار مضيق هرمز لم يعد خياراً، بل ضرورة وجودية للنظام الاقتصادي العالمي. فبين ممر آمن يعزز النمو، وسلوك إرهابي يهدد الاستقرار، يقف العالم أمام لحظة حاسمة تتطلب موقفاً دولياً موحداً يحمي حرية الملاحة ويمنع تحويل هذا الممر الحيوي إلى أداة ابتزاز.
ستبقى هذه ال33 كيلومتراً خطاً فاصلاً بين نظام دولي قادر على فرض الاستقرار، وآخر يسمح للفوضى بالتمدد. وسيظل الرهان على استخدام الإرهاب البحري خياراً خاسراً مهما طال أمده، لأن العالم لا يمكن أن يقبل بأن يُدار اقتصاده تحت تهديد السلاح أو الابتزاز الملاحي.
*باحث دكتوراه في إدارة الأزمات والمخاطر