باريس - أ ف ب
برز أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني الذي أعلنت إسرائيل مقتله الثلاثاء، كأحد أعمدة السلطة الفعلية في إيران، بعد اغتيال المرشد علي خامنئي في مطلع الضربات الإسرائيلية والأمريكية على إيران.
ومنذ اندلاع الحرب، لعب لاريجاني دوراً محورياً متشعباً في الداخل والخارج، وكان في الضوء أكثر من المرشد الجديد مجتبى خامنئي الذي خلف والده ولم يظهر للعلن بعد.
شوهد لاريجاني (68 عاماً) الأسبوع الماضي، وهو يسير وسط حشود خلال تجمع مؤيد للحكومة في طهران، في إشارة تحدٍّ لإسرائيل والولايات المتحدة. وأعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الثلاثاء مقتل لاريجاني، في حين لم تؤكد السلطات الإيرانية النبأ.
وفي حال تأكيد مقتله، فإن ذلك سيكون ضربة كبيرة لإيران؛ إذ إنها ستكون خسارة لشخصية محورية لها باع طويل في مسيرة الأمن والتشريع، ويُنظر إليها على أنها تتقن فنّ إمساك العصا من النصف، والموازنة بين البراغماتية المبتغاة من رجل الدولة، والولاء العقائدي للنظام الإيراني.
ووفق مراقبين، كان لاريجاني، ويعرف بنظارتيه ولحيته ونبرته الهادئة، يحظى بثقة المرشد السابق الذي عيّنه أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي في مرحلة مفصلية من تاريخ البلاد، بعد أسابيع من انتهاء الحرب مع إسرائيل في يونيو/حزيران 2025.
أعاده ذلك إلى المنصب الذي شغله قبل عقدين، وتولّى خلاله تنسيق استراتيجيات الدفاع والإشراف على السياسة النووية.
ورغم أن أمين المجلس يعد محورياً في أعلى هيئة تمزج بين السياسة والأمن، فإن دوره تجاوز حدود المنصب.
ويقول مدير مشروع إيران في «مجموعة الأزمات الدولية» علي واعظ، إن لاريجاني «يؤدي دوراً أكبر مقارنة بأغلبية أسلافه».
ويضيف: «إن لاريجاني من صلب منظومة الحكم، ولاعب ماكر، ملمّ بكيفية عمل المنظومة وبتوجّهات المرشد».
يُنظر إليه على أنه يمسك بالخيوط الأساسية في عملية التفاوض مع الولايات المتحدة، والتي يقود الوفد الإيراني فيها وزير الخارجية عباس عراقجي.
الولادة في النجف
وُلد لاريجاني في النجف بجنوب العراق في عام 1957، وهو نجل المرجع ميرزا هاشمي آملي الذي كان مقرباً من المرشد الأسبق الخميني.
وتؤدي عائلته منذ عقود دوراً مؤثراً في مؤسسات الحكم. ويتولى شقيقه صادق آملي لاريجاني، رئاسة تشخيص مصلحة النظام، بعدما ترأس السلطة القضائية.
طالت اتهامات بالفساد بعضاً من أقاربه، ونفوا ذلك جميعاً. ولاريجاني حائز دكتوراه في الفلسفة الغربية من جامعة طهران.
كان من الرعيل الأول في الحرس الثوري، وأدى دوراً قيادياً خلال سنوات الحرب مع العراق (1980-1988). عُيّن رئيساً لهيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية مدى عقد اعتباراً من عام 1994، ثم شغل منصب رئيس مجلس الشورى من 2008 وحتى 2020.
في 1996، عُيّن ممثلاً لخامنئي في مجلس الأمن القومي، ولاحقاً أميناً له، وقاد المفاوضات في ملف النووي خلال محادثات مع قوى دولية بين 2005 و2007.
خسر الانتخابات الرئاسية عام 2005 أمام محمود أحمدي نجاد، وفرّق بينهما خلاف بشأن الدبلوماسية النووية، ما أبعده عملياً من أمانة المجلس.
حاول خوض غمار السباق الرئاسي مجدداً في العامين 2021 و2024، لكنه قوبل في المرتين بإقصاء من قبل مجلس صيانة الدستور الذي تعود له صلاحية التصديق على القائمة النهائية للمرشحين.
ويرى مراقبون أن إعادته إلى أمانة مجلس الأمن القومي، خاصة بعد الحرب مع إسرائيل التي تدخلت فيها واشنطن، كانت مؤشراً إلى تحوّل نحو نهج براغماتي في إدارة الملف الأمني. وكان لاريجاني من مؤيدي الاتفاق بشأن الملف النووي الذي أبرم في عام 2015 مع القوى الكبرى، وانهار بعد ثلاث سنوات إثر انسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منه بشكل أحادي.
في مارس/آذار 2025، وقبيل محادثات نووية بين طهران وواشنطن نسفتها الحرب الإسرائيلية، حذّر لاريجاني من أن الضغوط الخارجية المستمرة قد تبدّل موقف إيران حيال القدرات النووية.
وقال: «إذا عمدت الولايات المتحدة أو إسرائيل إلى قصف إيران بحجة برنامجها النووي، فإن إيران ستضطر إلى التحرك نحو إنتاج القنبلة الذرية. الناس سوف يضغطون علينا للتحرك نحو صنع القنبلة الذرية»، وفق ما نقلت عنه وكالة «إرنا».
وبعد الحرب، اعتبر لاريجاني أن المخاوف الغربية من البرنامج النووي «ذريعة» لمواجهة أوسع نطاقاً، معتبراً أن المطالب اللاحقة بشأن برنامج إيران الصاروخي تعكس تغيّراً في المطالب السياسية.
وشدّد مراراً على أن المفاوضات مع واشنطن يجب أن تبقى محصورة بالملف النووي، ودافع عن تخصيب اليورانيوم باعتباره حقاً سيادياً لإيران.
وفي إشارة إلى المحادثات مع الولايات المتحدة، قال مؤخراً، إن طهران تريد «حلاً سريعاً» لهذه المسألة.
- عقوبات أمريكية
ورأى لاريجاني أن نشوب حرب بين إيران والولايات المتحدة غير مرجّح؛ لأن واشنطن ستدرك أنها لن تجني مكاسب كبيرة، وأن خسائرها ستكون جسيمة.
ولاريجاني هو أحد المسؤولين الإيرانيين الذين فرضت عليهم واشنطن عقوبات في يناير/كانون الثاني الماضي، بسبب ما وصفته بأنه «قمع عنيف للشعب الإيراني»، عقب احتجاجات واسعة النطاق اندلعت على خلفية ارتفاع تكاليف المعيشة.
وأقرّ لاريجاني بأن الضغوط الاقتصادية «أدت إلى الاحتجاجات»، لكنه حمّل مسؤولية أعمال العنف التي تلتها إلى تدخلات خارجية أمريكية وإسرائيلية.