أصدر المركز القومي للترجمة كتاب «حوار الحضارات.. المعنى، الأفكار، التقنيات»، وهو من تأليف مجموعة من الباحثين ينتمون إلى روسيا وأوكرانيا وإيطاليا والأردن وسوريا ولبنان، وعدد من الدول الأوروبية، وقام بتحرير مادة الكتاب سهيل فرح، وأوليج كولوبوف، وترجمه إلى العربية سهيل فرح.

الكتاب يسعى للإجابة عن التساؤلات الكبرى حول كيفية تعايش البشر في ظل الاختلافات الثقافية، ويناقش مفهوم «حوار الحضارات» كبديل لنظرية «صراع الحضارات» (التي اشتهر بها صمويل هنتنجتون) ويسعى لتعريف الحوار ليس فقط كحديث بين طرفين، بل كبحث عن القيم الإنسانية المشتركة التي تجمع بين الشرق والغرب، وبين الأديان والثقافات المختلفة.

يستعرض الكتاب أيضاً التطور التاريخي للأفكار، التي شكلت الحضارات الكبرى، ويركز على كيفية انتقال المعرفة بين الأمم، ودور النخب المثقفة في تعزيز التفاهم، ونقد المركزية الغربية، ومحاولة بناء رؤية عالمية «تعددية» تحترم خصوصية كل حضارة.

يربط الكتاب الحوار بالواقع المعاصر، ويناقش أدوات التواصل الحديثة، وأثرها في التقريب بين الشعوب، ودور المؤسسات الدولية والتعليم في غرس ثقافة الحوار، وكيف يمكن للتطور التقني أن يكون جسراً لتبادل الخبرات، بدلاً من أن يكون أداة للهيمنة الثقافية.

*تفاؤل

الكتاب يتبنى وجهة نظر متفائلة ونقدية في آن معاً، فيرى أن الحوار «ضرورة وجودية» للبشرية لتجنب الحروب والدمار، لكنه يشترط أن يكون هذا الحوار مبنياً على الندية والاعتراف بالآخر، لا على محاولة طرف فرض نموذجه على الأطراف الأخرى، فـ«الحوار ليس مجرد ترف فكري، بل تقنية ضرورية لإدارة التنوع العالمي».

ينطلق الكتاب من سؤال حضاري واسع يتعلق بمصير العلاقة بين الثقافات، فالعالم يعيش لحظة تاريخية تتقاطع فيها الحضارات بصورة غير مسبوقة، وتتشابك فيها المصالح السياسية والاقتصادية والثقافية، الأمر الذي يثير التساؤل حول طبيعة هذه العلاقة: هل تقود إلى الصراع أم إلى الحوار؟.

العمل الجماعي الذي يقدمه الكتاب يتبنى رؤية ترى في الحوار الحضاري ضرورة تاريخية، وهو يسعى إلى تفكيك التصورات التي شاعت حول حتمية الصدام بين الحضارات، ويقدم بديلاً يقوم على الاعتراف بالتنوع الثقافي، بوصفه قيمة إنسانية ومصدراً للإبداع المشترك.

تلتقي هذه الدراسات حول فكرة أساسية مفادها بأن العالم لا يمكن أن يُختزل في نموذج حضاري واحد، وأن التعدد الثقافي يمثل شرطاً ضرورياً لاستمرار التوازن الحضاري، ويحتل الحوار بين الحضارتين الروسية والعربية الإسلامية، موقعاً مركزياً في هذا المشروع، إذ يرى عدد من الباحثين أن هاتين الحضارتين تملكان تقاليد روحية وثقافية عميقة تسمح لهما بلعب دور مهم في إعادة التوازن إلى عالم تميل فيه العولمة إلى فرض نموذج ثقافي واحد.

*إطار

يبدأ الكتاب بمحاولة تأسيس الإطار المفاهيمي لفكرة الحوار الحضاري، حيث ينطلق الباحثون من ملاحظة أن مصطلح الحوار كثيراً ما يُستخدم في الخطاب السياسي والثقافي من دون تحديد واضح لمعناه أو لشروط تحققه، لذلك تسعى الدراسات الأولى إلى تحديد الأسس التي تجعل الحوار بين الحضارات ممكناً وفعالاً.

تُطرح في هذا السياق مسألة الاعتراف المتبادل بين الثقافات، باعتبارها الشرط الأول لأي حوار حقيقي، فالحوار لا يمكن أن يقوم إذا كانت إحدى الحضارات تنظر إلى نفسها بوصفها النموذج الوحيد للحقيقة أو التقدم، لذلك يؤكد عدد من الباحثين ضرورة تجاوز النزعة المركزية التي ترى العالم من زاوية حضارية واحدة.

تركز دراسات معينة على التجربة الروسية، بوصفها نموذجاً لحوار داخلي بين ثقافات متعددة، فروسيا تضم في فضائها الجغرافي والديني واللغوي تنوعاً واسعاً من الشعوب والثقافات، الأمر الذي جعلها فضاء حياً للتفاعل الحضاري، ويظهر لبنان في بعض الدراسات مثالا آخر للتعدد الثقافي والديني، حيث تتجاور الطوائف والتقاليد المختلفة داخل مجتمع واحد، بما يحمله ذلك من فرص للتعايش ومن توترات تحتاج إلى إدارة حكيمة.

*أبعاد

ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى مناقشة البعد الروحي للحضارات، فالعولمة لا تُفهم فقط بوصفها ظاهرة اقتصادية أو تقنية، بل بوصفها أيضاً تحولاً عميقا في منظومة القيم، وتتناول الدراسات مسألة التوازن بين البعد المادي للحضارة الحديثة، وبين التراث الروحي الذي شكل وجدان كثير من الثقافات التاريخية، ويرى بعض الباحثين أن الحضارات المشرقية، سواء في العالم العربي أم في روسيا، احتفظت بقدر كبير من الحس الروحي الذي يميزها عن النموذج الحداثي الغربي.

يتجلى هذا البعد في الأدب والفن والفلسفة والدين، فالثقافة الروسية، كما تُعرض في عدد من الدراسات، تقوم على تقاليد فكرية وروحية عميقة تشكلت عبر الأرثوذكسية الروسية والأدب الكلاسيكي والفلسفة الوجودية الروسية، وفي المقابل تُعرض الحضارة العربية الإسلامية بوصفها حضارة تمتلك إرثاً روحياً واسعاً لا يزال يؤثر في تشكيل الوعي الثقافي للمجتمعات العربية.

يتناول الكتاب مسألة التعدد الثقافي من زاوية اجتماعية وسياسية، فالمجتمعات الحديثة أصبحت أكثر تنوعاً من أي وقت مضى، وهو ما يفرض البحث عن صيغ جديدة لتنظيم العلاقة بين الجماعات الثقافية المختلفة، وتُحلل الدراسات في هذا الفصل نماذج متعددة من التنوع الديني والثقافي في كل من روسيا والمشرق العربي.

*صور

يخصص الكتاب فصلاً كبيراً لدراسة الطريقة التي تنظر بها الثقافات إلى بعضها بعضاً، فكل حضارة تبني صورة معينة عن الآخر، وهذه الصورة تلعب دوراً مهماً في تشكيل العلاقات بين الشعوب، وتتناول بعض الدراسات صورة الغرب في الثقافة العربية، وتتتبع التحولات التي مرت بها هذه الصورة منذ القرن التاسع عشر، فقد بدأت في كثير من الأحيان بنوع من الإعجاب، بالتقدم العلمي الأوروبي، ثم دخلت مرحلة من التوتر والرفض مع تصاعد التجربة الاستعمارية، قبل أن تتجه في العقود الأخيرة نحو مراجعات نقدية أكثر توازناً.

من الأمثلة التي يناقشها الكتاب التفاعل الجمالي بين الحضارات في العمارة والفنون، حيث يُعرض قصر الحمراء في الأندلس مثالاً على الإبداع الذي يمكن أن ينتج عن التفاعل الحضاري بين الثقافات المختلفة.