علي عبدالله الأحمد
نشر قبل أيام في مجلة بريطانية طرح أحد المسؤولين الخليجيين رؤية تدعو إلى إنهاء ما وصفه ب«الحرب غير القانونية»، مطالباً حلفاء الولايات المتحدة بالمساعدة في إخراجها من هذا المسار.
ورغم ما يحمله طرح المسؤول من دعوة ظاهرة للتهدئة، إلا أنه يثير تساؤلات جوهرية في منطقتنا حول التوازن بين الدعوة للسلام وواجب الدفاع عن السيادة.
في الحقيقة أن المنطقة لم تكن يوماً بعيدة عن محاولات فرض النفوذ بالقوة، ودول الخليج تحديداً عانت بشكل مباشر من التهديدات والهجمات، سواء عبر الصواريخ أو الطائرات المسيّرة أو من خلال وكلاء إقليميين. وفي هذا السياق، يصبح من الصعب تقبّل خطاب يُفهم منه، ولو بشكل غير مباشر، تبرير أو تفهّم لسلوكيات عدوانية طالت دولاً ذات سيادة في المنطقة.
كان من المنتظر، بل من الطبيعي، أن ينطلق أي طرح سياسي من مبدأ واضح وهو رفض الاعتداءات على دول المنطقة بشكل صريح لا لبس فيه، والدفاع عن حق الدول في حماية أمنها واستقرارها، فالدعوة إلى خفض التصعيد لا تعني المساواة بين المعتدي ومن يتعرض للاعتداء، ولا تعني التغاضي عن مصدر التهديد الأساسي.
وفي الوقت الذي يدعو فيه الطرح المنشور إلى دور أكبر للحلفاء في «تصحيح المسار»، فإن التجربة الإقليمية أثبتت أن الردع الواضح هو ما يحفظ التوازن، وأن غياب الحزم قد يُفسَّر ضعفاً، ويشجع على مزيد من التصعيد. فالسلام الحقيقي لا يقوم على حسن النوايا وحدها، بل على معادلة دقيقة تجمع بين الحكمة والقوة.
من منظور خليجي، لا يمكن فصل أي حديث عن السلام عن واقع الأمن اليومي الذي تعيشه دول المنطقة. فالأمن ليس مفهوماً نظرياً، بل هو مسؤولية مباشرة تجاه الإنسان، والاقتصاد، والاستقرار الاجتماعي. ومن هذا المنطلق، فإن الدفاع عن السيادة ليس خياراً سياسياً، بل واجب وطني وأخلاقي.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال ما شهدته دولة الإمارات، حيث تجاوزت الهجمات الآثمة أكثر من 2000 صاروخ وطائرة مسيّرة، في تصعيدٍ لا يمكن تبريره تحت أي ذريعة. هذه الهجمات طالت مجتمعات آمنة مسالمة، وأثارت الخوف في قلوب الأطفال، وقلق الأسر التي اعتادت على الطمأنينة. إن استهداف الأمن المدني بهذا الشكل لا يمكن تفسيره أو القبول به، بل يؤكد أن غياب الردع يفتح الباب أمام المزيد من التجاوزات، ويجعل من حماية الإنسان أولوية لا تقبل التأجيل أو المساومة.
وفي قراءة مستقبلية، تدرك دول الخليج بوضوح أن التهديدات لا تُقاس بلحظة آنية، بل تُبنى على تراكمات وتجارب ممتدة. ومن هذا المنطلق، فإن إيران سينظر إليها كخصم استراتيجي على مدى السنوات العشر أو العشرين القادمة، وهو إدراك سينعكس حتماً على سياسات التسلح، وتوسيع الاستحواذات الدفاعية، وتسريع وتيرة بناء الصناعات العسكرية الوطنية، بما يعزز الاستقلالية ويضمن جاهزية مستدامة لمواجهة أي تحديات محتملة.
كما أن حجم الغارات الجوية التي تعرضت لها إيران خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، من ضربات جوية وصاروخية دقيقة، أمريكية وإسرائيلية، تجاوزت 16,000 هدف، ما يعكس مستوى غير مسبوق من الدمار الذي طال بنى تحتية ومواقع استراتيجية. هذا الحجم من الاستنزاف سيحتاج إلى سنوات طويلة لإعادة البناء، خاصة في ظل عقوبات اقتصادية صارمة تحد من قدرات الاقتصاد الإيراني، إلى جانب ضغوط متزايدة على الخزينة العامة، وهو ما سيؤثر في سرعة التعافي وإعادة التموضع.
قبل هذه الاعتداءات، كان هناك جدل قائم في الأوساط السياسية والاستراتيجية حول ما إذا كانت إيران تمثل تهديداً مباشراً يستدعي الردع الصارم، أم أن بالإمكان احتواءها عبر أدوات دبلوماسية وحوارات طويلة الأمد. إلا أن الهجمات التي طالت دول المنطقة وضعت حداً لهذا الجدل، ورسّخت قناعة أوسع بأن التهديد لم يعد افتراضياً، بل واقعاً ملموساً يتطلب مقاربة أكثر وضوحاً وحزماً في آن واحد.
تبقى الدعوة للحوار مساراً مهماً لا غنى عنه، لكن الحوار الحقيقي يبدأ من الاعتراف الواضح بالخطأ، ووقف الاعتداءات، واحترام سيادة الدول. أما غير ذلك، فقد يتحول إلى خطاب غير واقعي، ولا يلامس التحديات التي تواجهها شعوبنا يومياً.
تعلمنا من المرحلة التي نمر بها الآن أن السلام لا يُصان بالكلمات وحدها، بل يُحمى بالمواقف الواضحة، والقدرة على الدفاع، والإيمان بأن أمن أوطاننا خط أحمر لا يقبل التأويل.