الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

التقارب الحذر بين الولايات المتحدة والصين

19 مايو 2026 01:02 صباحًا | آخر تحديث: 19 مايو 01:02 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
ظلت العلاقات الصينية – الأمريكية تتأرجح بين التعايش الحذر، والصراع الاقتصادي والاستراتيجي الهادئ، وعلى الرغم من مرور هذه العلاقات بمحطات صعبة، على امتداد أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، إلا أن الطرفين حرصا باستمرار على تطويق الكثير من الأزمات (اقتصادية وتجارية وسياسية وأمنية واستراتيجية ورقمية..)، ومنعها من الخروج عن نطاق السيطرة والتحكم.
ففي خضم الهيمنة الأمريكية التي برزت في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة، حاولت الصين أن تواكب التحولات الدولية المتسارعة بشكل هادئ، توازن بين تحقيق مصالحها الاقتصادية، وتلك المرتبطة باستكمال وحدتها الترابية من جهة، ثم الحرص على عدم الاصطدام مع القوى الدولية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة، والانفتاح على المحيط الدولي بصورة تدعم حضورها، حيث انضمت إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001، من جهة أخرى.
فقد سعت إلى تطوير علاقاتها الخارجية مع الدول الكبرى، ومع عدد من دول الجنوب، وانخرطت في مكافحة الإرهاب الدولي، وأسهمت في تعزيز الجهود الرامية إلى حفظ السلم والأمن الدوليين، سواء عبر توظيف عضويتها داخل مجلس الأمن، أو من خلال جهود انفرادية قادتها في هذا الخصوص. من جانب آخر، استطاعت الصين توظيف عناصر القوة الناعمة في ترسيخ تمدّدها وحضورها الدوليين، من خلال إحياء مشروعها الاقتصادي المرتبط بمبادرة الحزام والطريق، وتحريك دبلوماسية المساعدات الإنسانية. وأمام هذه المعطيات لم تعد بكين تخفي طموحاتها المتزايدة بالاستئثار بأدوار وازنة في إطار نظام دولي تعدّدي.
وتشكل الزيارة الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين، ضمن وفد اقتصادي مهم يتكون من رؤساء الشركات الأمريكية الكبرى، محطة مفصلية في سياق العلاقات الأمريكية الصينية، التي ظلت تتأرجح بين التعاون والصراع، منذ نهاية الحرب الباردة.
وتأتي الزيارة في ظل ظرفية إقليمية ودولية يطبعها التوتر، بخاصة مع الانعكاسات التي أحدثتها الحرب الإيرانية على الملاحة البحرية وإمدادات الطاقة، والتجارة الدولية بشكل عام، بفعل الارتباك الحاصل في مضيق هرمز.
تنطوي الزيارة في هذه الظرفية الدقيقة، على قدر كبير من الأهمية الاستراتيجية، وهي تظهر بشكل واضح تعامل الطرفين بمنطق براغماتي وواقعي، في إطار التفاعل مع المتغيرات الدولية، وتوظيفها بشكل إيجابي. خصوصاً على مستوى السعي لإرساء الاستقرار، ولو بشكل غير حذر، ومستدام.
ومع ذلك، يشكل اللقاء مناسبة لتوضيح الخطوط الحمراء التي يرفعها كل منهما تجاه الآخر، فالصين ستحرص من جديد على تنبيه الولايات المتحدة من خطر تجاوز الحدود المسموح بها في ما يتعلق بملف تايوان، فيما ترفض واشنطن أيّ توجهات صينية لعسكرة بحر الصين الجنوبي. إضافة إلى تشبيك المصالح الاقتصادية والتجارية كإطار لتحصين العلاقات الثنائية، ومنعها من التدهور، أو التحول إلى احتكاك مباشر.
وفي هذا الصدد، سعى الجانبان إلى إرساء اتفاقات تكفل تعزيز الأمن الرقمي، وبلورة تنافسية رقمية متوازنة، وضمن حدود معقولة تحول دون تمدّد الفجوة بين الجانبين في هذا الشأن. إضافة إلى تخفيف حدة الرسوم الجمركية المتبادلة، مع الحرص على دفع الصين نحو القيام بوساطات على طريق الحد من الانعكاسات الخطرة للحرب على إيران، بخاصة على مستوى تخفيف حدة التوتر القائم في مضيق هرمز، والسعي لدفع إيران للتخلي عن طموحاتها النووية (العسكرية).
علاوة على وقف التصعيد بخصوص عدد من الملفات، كما هو الشأن بالنسبة للوضع في تايوان وبحر الصين الجنوبي، والحيلولة دون تطورها إلى مواجهات عسكرية غير محسوبة. وكذا التخفيف من حدة الاستقطاب والتنافس على بعض المناطق الجاذبة بإمكاناتها، الاقتصادية، والطاقية، والمعدنية.
إن التقارب الصيني الأمريكي الذي ستعززه هذه الزيارة، لا يعني البتة نهاية حتمية للخلافات القائمة بين الجانبين بصدد عدد من الملفات البينية والقضايا الدولية، لكنها ستتيح لهما تدبير هذه الخلافات بسبل دبلوماسية تعززها المصالح المشتركة، والإقرار الأمريكي بوزن الصين الذي يسمح لها بالاستئثار بأدوار طلائعية على الصعيد الدولي.
ومن جهة أخرى، يبدو أن هذا التقارب سيعمق أكثر، أزمة الثقة القائمة بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية، التي تجد نفسها خارج العديد من المبادرات والترتيبات الدولية التي تقودها الولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة