لقد كتبنا عن التعصّب، نقداً وتحليلاً وعرضاً، صفحات كثيرة، غير أنّ تعيّناته المتعدّدة حالت دون استنفاد القول فيه. فكلّما ظهر اختلاف أو نشب صراع، واستدعى الأمر قولاً نقدياً فيه، برز الوعي التعصّبي بما يثير الدهشة والقلق، معاً.
والتعصّب الذي يدعو إلى الدهشة هو ذلك الموقف الذي يتغذّى من الانتماء الأيديولوجي، ومن الهويات السياسية ذات الإهاب الديني، أو القومي، فيلغي، من جهة، هوية الانتماء الوطني الموضوعي، ويلغي، من جهة أخرى، أحكام العقل الواقعية والمنطقية.
وهنا يتحوّل التعصّب إلى بنية ذهنية مغلقة على حقيقة زائفة، تحول دون التفكير الحر، وتمنع الذات من رؤية العالم كما هو، لا كما ترسمه الأوهام الأيديولوجية، والهويات الضيقة.
لقد أصبحت الذات الفردية والذات الجماعية، في حال التعصّب، ذات هوية شيئية. والهوية الشيئية تحوّل الإنسان إلى شيء، والشيء ثابت لا يتغيّر. وإن تغيّر، فليس تغيّره فعلاً إرادياً صادراً عنه، بل بفعل خارجي قد يبدّله، أو يعدمه. فالنهر يبقى نهراً، والجبل يبقى جبلاً، والشجرة تبقى شجرة، إلا إذا غيّرتها عوامل الطبيعة كالجفاف، والزلازل، والعواصف. وهكذا يفعل التعصّب بالإنسان: إنه يجمّده، ويجرّده من حريته، ويحوّله من ذات عاقلة إلى كائن منقاد.
ومن أخطر نتائج التعصّب أن الجماعة المتعصّبة تجعل من نفسها معياراً للحقيقة المطلقة، والصواب المطلق، بل والخير المطلق. ويترتب على ذلك نفي الآخر المختلف، ونشوء شعور زائف بالتفوّق، وفقدان الذات الفردية استقلالها وحريتها داخل الجماعة، حتى تغدو مجرّد لسانٍ ناطق باسمها.
ولهذا، فإن أهم ما يميّز الجماعة المتعصّبة وأفرادها هو الوعي القطيعي. ومن سمات هذا الوعي السير وراء القائد، أو الرمز، أو «الكبش»، مندون تفكير، وتعطّل الحس النقدي تعطّلاً شبه كامل، بحيث لا يعود الفرد يرى إلا ما تراه الجماعة، ولا يقول إلا ما تقوله، ولا يعتقد إلا ما تفرضه عليه من أوهام.
والحق أن التعصّب ليس وقفاً على جماعة واحدة دون غيرها، بل إن كل جماعة ينغلق عقلها الموضوعي، وتسوّر نفسها بأفكار أيديولوجية مغلقة، قابلة لأن تتحوّل إلى جماعة متعصّبة. ولهذا فإن الجماعات المنتمية إلى الحركات الأيديولوجية، بخاصة تلك التي تسعى إلى الحفاظ على سلطتها بالعنف، أو إلى تغيير الواقع بالقوة، غالباً ما يكون هاجسها الحقيقي هو بقاء السلطة غنيمة في يدها، أو الاستيلاء عليها بأي وسيلة عنفية ممكنة.
وحين يخرج التعصّب من حال التقية والكتمان إلى الخطاب الأيديولوجي العلني، فإن هذا الخطاب، بوصفه سلطة رمزية، يقوم بتعزيز التعصّب، ورسم حدود فاصلة داخل التنوع المجتمعي، مستنداً إلى الأوهام، وإلى إثارة النعرات العنفية. وهذه النعرات، إذا ما توافرت لها شروط داخلية وخارجية مناسبة، قد تتحوّل إلى عنف متبادل، وربما تبلغ درجة الحرب الأهلية.
وأخطر أنواع التعصّب على الإطلاق هو التعصّب الطائفي في مجتمع متعدّد الطوائف، والإثنيات، والأديان، لأنه لا يهدد فرداً بعينه، بل يهدد وحدة المجتمع والدولة، ويحوّل الاختلاف الطبيعي بين البشر إلى مادة للريبة، والكراهية، والصراع.
أما أخطر الخطر، فهو أن يدين أفرادٌ ما بالولاء لدولة معتدية على الوطن الذي يعيشون فيه، ويتمتعون فيه بالمساواة في الحقوق والواجبات. فإذا تحوّل هذا الولاء إلى انخراط في العدوان، فإن الأمر لا يعود مجرد تعصّب، أو اختلاف في الرأي، بل يغدو ضرباً من ضروب الخيانة الوطنية.
والسؤال الأهم هنا: كيف يتأتى أن تظهر جرثومة التعصّب لدى أفراد يعيشون في دولة التسامح، ومجتمع التسامح؟
إن التعصّب وعي زائف بالضرورة، وعي مؤسَّس على نفي المختلف، والاعتداد بهوية ضيقة، والانغلاق على سردية أحادية للعالم. وفي شروط الثورة التكنو-إلكترونية، وما ولّدته من طرق تواصل متعددة وسريعة، بات الأفراد يتعرضون يومياً إلى خطابات وحوارات مصورة، وشجارات أيديولوجية، وسرديات تحريضية، يسهل تداولها، والاطّلاع عليها.
ليس هذا فحسب، بل إنها المرة الأولى في التاريخ التي يُتاح فيها لكل من يجيد القراءة والكتابة، بمعزل عن طبيعة وعيه، ومستوى معرفته، وطبيعة أخلاقه، أن يكتب ما يشاء، وأن يخاطب جمهوراً واسعاً من الناس. وهنا تكمن خطورة الخطاب التحريضي العدواني على الآخر، وخطورة تجييش الروح العدوانية، لا سيما حين تقف وراء هذا الخطاب مؤسسات خارجية، أو قوى منظمة، تعمل على بث التعصّب، وتمزيق المجتمعات من الداخل.
فالكائن المتعصّب قومياً ينتج خطاباً عنصرياً ضد قومية أخرى، ويحشد في خطابه ما شاء من الأوهام والأكاذيب، فيخلق لدى بعض الأفراد وعياً زائفاً، وتعاطفاً مضللاً معه.
ولعمري، أن مواجهة هذه الحال التي تجتاح عالمنا المعيش تحتاج إلى استراتيجية فكرية، وثقافية، وإعلامية، وتربوية شاملة، تعزز روح الانتماء الوطني، وترسّخ الهوية الوطنية الجامعة، وتربّي على أخلاق المحبة، والاعتراف بالاختلاف بوصفه ثراء ثقافياً وإنسانياً، لا سبباً للعداء أو الإقصاء. فمواجهة التعصّب لا تكون بتعصّب مضاد، ولا بخطاب وعظي عابر، بل ببناء عقل نقدي حر، ووعي وطني جامع، وثقافة إنسانية ترى في الإنسان قيمة عليا، قبل أيّ انتماء جزئي آخر.
