دبي ليست مدينة عادية يمكن أن تمر الأزمات بها مرور الكرام، بل هي حالة استثنائية في عالم اعتاد النماذج التقليدية، ولهذا، فإن أي حدث يتعلق بها - مهما يكن حجمه - يتحول فوراً إلى قضية عالمية، وإلى مادة مفتوحة للتفسير والتحليل، وأحياناً للتشويه أيضاً.
من الطبيعي جداً أن تنال دبي، هذا النموذج الإماراتي الراقي والمتفوق، نصيب الأسد من التغطية الإعلامية حول العالم، خاصة في لحظات الأزمات، فهي مدينة لم تعتد أن تكون حاضرة في عناوين الصحف فقط، بل أن تتصدرها، في الأيام العادية قبل الاستثنائية، بفضل تميزها الفائق ونشاطها الدائم ومفاجآتها المستمرة، فهي مدينة تحظى باحترام من يزورها أو يسمع عنها، فكيف الحال حين تتعرض لاعتداء غاشم يستهدفها ويستهدف مرافقها المدنية الأيقونية؟
ومن الطبيعي أيضاً أن يتحول هذا الاعتداء الجبان على المدنيين في دبي إلى مادة دسمة للصحف الصفراء، لأن اسم دبي بحد ذاته عنصر جذب لا يُقاوم. وهنا تدخل هذه الصحف، ومعها مواقع إلكترونية تبحث عن الإثارة، في سباق محموم لتهويل الأمور وتشويه الحقائق واختراع روايات، وإضافة ما تتخيله من «بهارات» لجعل الخبر أكثر جاذبية، حتى وإن كان ذلك على حساب الحقيقة.. فلا هدف إلا الإثارة.. فهي اللعبة.
القصة لا تقف عند الإعلام فقط، فعلى الرغم من أن هذا السلوك مضرٌ وغير حضاري، ويحمل في طياته الكثير من الحسد والحقد والغل، بل حتى «البؤس»، إلا أن دبي أثبتت عبر تاريخها أنها قادرة على التعايش مع هذه الحملات، بل وتجاوزها، كما فعلت في الأزمة المالية العالمية عام 2008، وكما فعلت في التحديات اللاحقة، حيث لم تكن الأزمات سوى محطات مؤقتة أعادت من خلالها الإمارة ترتيب أوراقها، لتعود أكثر قوة وصلابة.
وإذا كان هذا هو الوجه الإعلامي، فهناك وجه آخر أكثر عمقاً.. فالمسألة في كثير من الأحيان ليست مجرد سعي لاستقطاب قارئ أو زيادة عدد النقرات، بل هي امتداد لما يمكن تسميته «الحسد السياسي»، ومحاولات منظمة للنَّيل من إنجازات الإمارة وموقعها العالمي..
هناك باختصار دوائر تضررت من صعود دبي كنموذج ناجح، استقطب الكفاءات والأثرياء والاستثمارات، وغيّرت خريطة الجاذبية الاقتصادية في المنطقة.
هناك أيضاً بعض المراكز والمدن المنافسة وجدت في هذه اللحظة فرصة، فغذَّت الهجوم عبر تضخيم الأحداث وتشويه الحقائق، وترويج صورة مضللة عن مدينة مهجورة أو متراجعة، ظناً منها أن الفرصة قد حانت لاستعادة ما خسرته من مكانة. لكن ما لم تدركه هذه الجهات أن دبي ليست ظاهرة عابرة، فهي تحولت إلى مركز عالمي يعيد تشكيل معادلات الاستثمار والحياة والعمل.
إلى كل هؤلاء نقول.. لا تفرحوا كثيراً، لأن الحديث عن «بدائل» لدبي لم يعد واقعياً كما كان يُطرح في السابق، فدبي لم تعد مجرد خيار بين عدة خيارات، بل أصبحت ضرورة اقتصادية ولوجستية ومالية مُلِحَّة في المنطقة، فهي مركز ابتكار، وحلقة وصل رئيسية بين الشرق والغرب، ومركز أعمال عالمي يصعب تجاوزه أو استبداله بسهولة.
دبي أرست منظومة متكاملة من البنية التحتية، والتشريعات المرنة، والبيئة الجاذبة، جعلتها نقطة ارتكاز للشركات والمستثمرين والكفاءات، بحيث لم يعد الانتقال منها إلى غيرها قراراً سهلاً أو حتى عملياً في كثير من الأحيان.
لهذا، فإن محاولات التقليل من دورها أو تصويرها كمرحلة عابرة تتجاهل حقيقة أساسية: أن دبي لم تعد خياراً يمكن الاستغناء عنه، بل هي ركن أساسي في معادلة الاقتصاد العالمي في هذه المنطقة.
أعود إلى حديث جرى بيني وبين أحد الصحفيين البريطانيين في عامي 2008 و2009، خلال أزمة المال العالمية، عندما تعرضت الإمارة لضغوط إعلامية مكثفة، سألته حينها: لماذا هذا الاهتمام الضخم بأخبار دبي في صحفكم؟ هل هو توجيه من حكومتكم؟
أجابني بين السطور: إنه توجيه غير مباشر من البنوك الإنجليزية، فهي من أكبر المقرضين للإمارة، وكانت المزود الرئيسي بالأخبار السلبية.
قلت: لماذا؟ قال: لأننا نعمل على الضغط للحصول على أولوية في السداد، ورأت هذه الجهات في «تشويه السمعة» وسيلة ضغط، حينها أدركت يقيناً أن «لا شيء بريئاً».
إنَّ ما يغيب عن كثير من هذه الحملات، أن دبي ليست مجرد أبراج شاهقة أو أرقام اقتصادية، بل هي قصة إنسانية حقيقية.. قصة ملايين الأشخاص الذين وجدوا فيها فرصة وأملاً، ومستقبلاً لم يكن متاحاً في أماكن أخرى. هي مدينة لا تُقاس فقط بما يُبنى فيها من أسمنت وحديد، بل بما تُشيّده من ثقة وأمان واستقرار في حياة من يعيشون على أرضها.
ولهذا، فإن أي محاولة للنَّيل منها لا تصطدم فقط باقتصاد قوي أو حكومة فعالة، بل بإرادة مجتمع كامل يؤمن بهذه المدينة، ويساهم في صنعها كل يوم.. مجتمع جاء من كل أنحاء العالم، واختار أن يجعل من دبي مكاناً للحلم والعمل والإنجاز.
والتاريخ القريب يؤكد أن نموذج دبي الذي شكّله صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في العقود الثلاثة الماضية، لا ينكسر تحت أي ضغط، لأن الإمارة تعرف نفسها مع كل أزمة، فمن 2008 إلى جائحة كورونا، كانت النتيجة واحدة: نهوض أسرع مما يتوقعه المشككون، وتحويل التحديات إلى فرص جديدة للنمو.
ما نشهده اليوم ليس إلا سحابة عابرة في سماء اعتادت أن تتجاوز العواصف.. والحقيقة الأعمق هي أن دبي لا تلتفت إلى الضجيج... بل تتجاوزه، وتواصل التقدم.