الخليج ،صحيفة يومية تصدر عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر بمدينة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، أنشئت عام 1970 على يد الشقيقين المرحومين تريم عمران تريم وعبدالله عمران تريم | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
رائد برقاوي
رئيس التحرير التنفيذي لصحيفة الخليج
أحدث مقالات رائد برقاوي
20 أبريل 2026
نعم وبكل وضوح.. انتصرت الإمارات

يراودني أحياناً سؤال، أو مجموعة من الأسئلة، وأنا أقود سيارتي، حين يظهر أمامي من بعيد ذلك المشهد الساحر لإحدى مدن الإمارات الجميلة، حيث لا تخفي الأيقونات المعمارية ملامحها. كيف ينظر «الآخر»، على الضفة الأخرى من الخليج العربي، إلى هذا العمران والازدهار؟ وهل يتساءل: كيف يمكن استنساخ هذه التجربة؟ إنه سؤال طبيعي، خاصة أن ذلك الآخر تأخر كثيراً عن ركب التنمية والنهضة والتقدم العلمي.

لكن، وللأسف، لم يكن تفكير ذلك «الآخر» منصباً على البناء والتطوير، بل على الهدم والتدمير، وإيذاء جاره المسلم الذي مدّ له يد العون حين تخلى عنه العالم. أي منطق يمكن أن يفسر هذا المسار؟

مع هذه التساؤلات، تتولد أسئلة أخرى: ماذا لو تعرّضنا لاعتداء من هذا الطرف؟ هل يمكن مواجهته مع الحفاظ على منجزاتنا التي كلفت الكثير؟ وهل نمتلك من القدرات الدفاعية ما يكفي لحماية هذه الإنجازات الممتدة في كل مدن الإمارات؟ لم تكن لدي إجابة واضحة، رغم أن الاحتمالات كانت تميل إلى الطمأنينة، إلى أن «حدث ما حدث»، لتتضح الحقيقة: الإمارات كانت، وما زالت، جاهزة في الرخاء وفي مواجهة التحديات، مهما يكن حجمها أو مصدرها.

بعد 40 يوماً من الاعتداءات، ماذا يمكن أن نقول بصوت مرتفع، نعم انتصرت الإمارات في مواجهة الارهاب الإيراني. قد يدّعي «الآخر» النصر، لكن روايته باتت مكشوفة، فهي مجرّد خطاب موجّه للاستهلاك الداخلي، يهدف إلى حفظ «ماء الوجه» وإبقاء صورة القوة قائمة. هكذا تفعل الأنظمة الأيديولوجية والاستبدادية، تكرّر السرديات حتى تترسخ، مهما ابتعدت عن الواقع.

لكن، كيف انتصرت الإمارات؟

سياسياً، جاء الانتصار نتيجة رؤية استشرافية واضحة، قرأت المشهد الجيوسياسي بدقة، واستعدّت مبكراً للتحديات. تحرّكت الدولة بسرعة لتشكيل موقف دولي داعم ومندّد بالاعتداءات، مؤكدة صمودها كونها دولة ذات سيادة، لا تُستباح، ولا تُرهب.

وفي قلب هذا المشهد، برز دور القائد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، كعامل حاسم في توجيه مسار الأحداث. لم تكن القيادة مجرد إدارة أزمة، بل قيادة واثقة صنعت الفارق بين ردّ الفعل والمبادرة. بحضورٍ مباشر، وقرارات محسوبة، ورؤية بعيدة المدى، قاد الدولة بثبات في أصعب اللحظات، محافظاً على توازن دقيق بين الحزم العسكري والحكمة السياسية، مؤكداً أن الإمارات قادرة على حماية مكتسباتها وإدارة التحديات بعقل الدولة وقوة الإرادة.

عسكرياً، تحققت أولى مؤشرات التفوق منذ الساعات الأولى. فرغم أكثر من 500 هجوم خلال أقل من 36 ساعة، استهدفت البنية التحتية المدنية بهدف بث الذعر، فإن منظومات الدفاع الجوي الإماراتية أظهرت كفاءة عالية، ونجحت في اعتراض نحو 96% من التهديدات. ومع مرور الوقت، تحوّل الهجوم إلى عامل كشف لقدرات دفاعية متقدمة أبهرت المتابعين.

اجتماعياً، تجلّى التماسك بصورة استثنائية،. مواطنين ومقيمين... بروح واحدة. تلاحم إنساني عابر للثقافات، عبّر عن نفسه في الالتزام، في التعاون، وفي الثقة بالمؤسسات. هذا المشهد لم يكن عابراً، بل كان انعكاساً لعلاقة متينة بُنيت عبر سنوات، جعلت من الإمارات وطناً ثانياً لملايين البشر، لا مجرد مكان للعمل أو الإقامة. لذلك، عندما جاءت اللحظة الصعبة، كان الرد طبيعياً: البقاء، الصمود، والمشاركة في حماية هذا الاستقرار.

كان هذا الثبات المجتمعي رسالة في حد ذاته، لا تقل قوة عن أي إنجاز عسكري أو اقتصادي. رسالة تقول إن ما بُني في الإمارات لم يكن بنية تحتية فقط، بل نسيج إنساني متماسك، قادر على مواجهة الأزمات بثقة، وعلى تحويل التحدي إلى لحظة وحدة حقيقية.

مدنياً، أثبتت مؤسسات الدولة جاهزيتها. استمرت الحياة اليومية بانضباط ملحوظ، وأدت أنظمة الإنذار المبكر دوراً مهماً في حماية الأفراد، بينما تعاملت الجهات المختصة بكفاءة مع التحديات الرقمية والإعلامية، مع الحفاظ على قدرٍ عالٍ من الشفافية والمسؤولية.

اقتصادياً، كان المشهد لافتاً. خلال أربعين يوماً من الاستهداف، لم يشهد الاقتصاد اضطراباً يُذكر. لم تظهر مظاهر هلع، ولا نقص في السلع، ولا تعطّل في الأسواق. بل استمرت الدورة الاقتصادية بكفاءة، وكأنها تعمل ضمن وضع طبيعي مُعزّز، لا في ظل أزمة.

ما حدث لم يكن وليد اللحظة، بل نتيجة تراكم استراتيجي طويل. تنويع اقتصادي حقيقي، وبنية تحتية مصممة لتحمّل الأزمات، ومؤسسات تعمل بعقلية الجاهزية الدائمة، لا بردّ الفعل.

كشفت هذه المرحلة عن عنصر حاسم: الثقة. ثقة المجتمع بمؤسساته، وثقة الأسواق بالاقتصاد، وثقة المستثمرين بقدرة الدولة على الإدارة السريعة والفعالة. هذه الثقة، غير المرئية، كانت أحد أهم عوامل الصمود.

نموذج الامارات انتصر بكل ما يحمله الانتصار من معانٍ، وهو انتصار للمنطقة والعالم، انتصار للإنسان المثابر المنفتح المتسامح الذي يبني التنمية ويصدّر الازدهار، في مقابل خسارة مريرة للأيدولوجيا الضيقة التي تسعى إلى القتل والتدمير عبر اختطاف الدين وتصدير الثورة بحجج وشعارات واهية.. إنها الإمارات دولة الازدهار والصمود تقول للعالم، إنها ستكتب فصلاً جديداً لغدٍ أفضل.

[email protected]

6 أبريل 2026
حتى لا تصبح سلاسل التوريد «شماعة»

المسؤولية ليست شعاراً يُرفع عند الحاجة، بل مبدأ يُختبر في الأزمات. وفي أوقات الرخاء، قد يدّعي الجميع الالتزام بالقيم، لكن في اللحظات الاستثنائية فقط، تظهر الحقيقة: من يلتزم أخلاقياً، ومن يبيع ضميره أمام أول فرصة ربح.
المسؤولية، في جوهرها، التزام أخلاقي قبل أن تكون نصاً قانونياً، وتعني أن ترفض استغلال الظرف. لكنها، وللأسف، تتحول عند البعض إلى مفهوم انتقائي، يُستدعى في الخطاب، ويغيب في الممارسة.
ما يحدث اليوم في بعض قطاعات أسواقنا غير مرحب به أو لا يمكن تبريره تحت أي ذريعة. نعم، هناك اضطرابات عالمية بسبب العدوان الإيراني على دول الخليج، وتأخر في سلاسل الإمداد مع إغلاق مضيق هرمز، وارتفاع في التكاليف. لكن ذلك لا يمنح أحداً صكاً مفتوحاً للاستغلال. ما نراه ليس تكيّفاً مع الأزمة، بل انقضاضاً عليها.
تجار يحبسون السلع في مستودعاتهم انتظاراً لموجة أسعار أعلى، وآخرون يرفعون الأسعار على بضائع لم تتأثر تكلفتها أصلاً. سلوك لا علاقة له بالسوق الحر، ولا يمتّ بِصلة للمنافسة، بل هو أقرب إلى احتكار مقنّع وجشع مكشوف.
والأخطر أن هذه الممارسات تتسلل إلى قطاعات حيوية، مثل الإنشاءات والخدمات، حيث لا يُهدد الاستغلال المستهلك فقط، بل يربك دورة الاقتصاد بالكامل. هنا لا نتحدث عن حالات فردية معزولة، بل عن ذهنية تحاول تحويل الأزمة إلى فرصة لزيادة الأرباح.
هؤلاء يتناسون – أو يتجاهلون – أن ما حققوه من نمو وأرباح لم يكن ليتحقق لولا بيئة اقتصادية عادلة، صنعتها دولة لم تبخل في توفير الاستقرار، والتشريعات، والبنية التحتية. فكيف يُكافأ هذا كله؟ بتعظيم الأرباح في الأيام الاستثنائية؟ من المؤكد أن هذا متوقع، لكنه بالتأكيد غير مقبول في أسواقنا.
نعم، تتحرك الجهات المعنية لضبط الأسواق، وتبذل وزارة الاقتصاد والدوائر المحلية جهوداً واضحة، خاصة في ملف الأمن الغذائي. حيث الزيارات التفتيشية التي تقوم بها الفرق، يتقدمها الوزير بنفسه، لكن ما يحدث اليوم يتطلب ما هو أبعد من الضبط... يتطلب حزماً رادعاً ورسائل واضحة بأن الاستغلال خط أحمر، في كل القطاعات دون استثناء، ويتطلب أيضاً تكثيف الزيارات الميدانية للعديد من القطاعات لتشمل أيضاً مخازن الموردين المحليين المنتشرة في مختلف الإمارات.
أسواق الإمارات ليست عادية، فهي تمتلك مخزونات ضخمة تعتبر الأكبر في المنطقة، بسبب دورها الفاعل في تجارة إعادة التصدير، والشح، الذي يحاول البعض أن يصوره أنه أزمة، مبالغ فيه وغير مبرر في هذه المرحلة التي تتطلب تكاتفاً مجتمعياً واقتصادياً للحفاظ على اقتصادنا قوياً.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأوضح، من يربح على حساب الأزمات.. يخسر أخلاقياً، حتى لو كسب مالياً، فسلاسل التوريد والحديث عن اضطرابها يجب ألا يتحول أبداً في أسواقنا المحلية إلى شماعة لتعظيم الأرباح.
[email protected]

31 مارس 2026
رسالة حمدان بن محمد ..

دبي دائماً قريبة من نبض مجتمعها، وفرق عملها تتحرك بكفاءة عالية، لتؤكد مرة بعد مرة أنها قادرة على تحويل التحديات إلى فرص. كلمات موجزة، لكنها عميقة الدلالات، أطلقها سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، رئيس المجلس التنفيذي لإمارة دبي، لترسم ملامح مرحلة جديدة أكثر قوة وثقة.
جاءت هذه الرسائل تزامناً مع اعتماد سموه حزمة تسهيلات اقتصادية في دبي بقيمة مليار درهم، يبدأ تنفيذها اعتباراً من الأول من إبريل، ولمدة تمتد من ثلاثة إلى ستة أشهر، في خطوة تعكس رؤية استباقية وقيادة تدرك متطلبات المرحلة بدقة.
هذه التسهيلات ليست مجرد دعم مالي، بل هي دفعة استراتيجية اقتصادية اجتماعية، تهدف إلى تعزيز مرونة اقتصاد دبي، ورفع جاهزيته، وتسريع استجابته للمتغيرات. إنها تأكيد واضح على أن الإمارة تتحرك بثبات، مهما كانت الظروف، وبثقة لا تتزعزع في قدراتها.
وكما عوّدتنا دبي، بقيادة صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، فإنها لا تنتظر الأزمات، بل تسبقها بخطوات مدروسة، وتضع دائماً مصلحة قطاع الأعمال والقطاع الخاص في صدارة أولوياتها، باعتبارهما العمود الفقري للاقتصاد الوطني.
وفي ظل التحديات الراهنة، تبرز قوة الإمارات وتماسكها الداخلي كعامل حاسم في مواجهة أي تهديد، حيث تتصدى دولة الإمارات بحزم للاعتداءات الإيرانية الإرهابية، مستندةً إلى قوة مبادئها، ودفاعاتها الجوية وكفاءة أجهزتها الأمنية الداخلية، التي تعمل بتناغم ويقظة عالية لحماية الوطن وصون أمنه واستقراره. كما أن روح التضامن بين جميع المقيمين على هذه الأرض المباركة تعزز من هذه القوة وتمنحها بعداً إنسانياً فريداً.
القطاع الاقتصادي في الإمارات، بمختلف مكوناته، أظهر قدرة عالية على الصمود والتكيف، مؤكداً امتلاكه شبكات علاقات دولية قوية، ومرونة تشغيلية تجعله أكثر تنافسية على الساحة العالمية. هذه المرونة ليست ميزة عابرة، بل عنصر أساسي في نجاح نموذج دبي الاقتصادي.
وكما قال سمو الشيخ حمدان بن محمد، رسالتنا واضحة لا لبس فيها: دبي ملتزمة بدعم الأفراد والعائلات وقطاع الأعمال بكل السبل الممكنة، لضمان تجاوز هذه المرحلة بثقة واستقرار. فدبي لا تكتفي بمواجهة التحديات، بل تتقن تحويلها إلى إنجازات جديدة.
حزمة دبي تأتي بالتوازي مع مبادرات الدعم التي أقرها المصرف المركزي للقطاع المصرفي، ما يعزز من تكامل الجهود الوطنية، ويفتح الباب أمام مؤسسات ودوائر الدولة، وكذلك الوزارات، لإطلاق المزيد من المبادرات الداعمة لقطاع الأعمال.
إن اقتصاد دولة الإمارات، الذي أثبت قوته وصلابته، يسير اليوم نحو مرحلة جديدة أكثر قوة وتميزاً. مرحلة ستعزز فيها الدولة مكانتها كنموذج تنموي رائد عالمياً، قادر على التكيف، والابتكار، وصناعة المستقبل بثقة.
هكذا هي دبي.. وهكذا هي الإمارات.. عندما تشتد التحديات، يزداد الإصرار، وتتضاعف الإنجازات.

[email protected]

30 مارس 2026
على خطى منصور..

حين تُتخذ القرارات في توقيتها الصحيح، فإنها لا تعكس فقط كفاءة في الإدارة، بل ترسل رسالة واضحة بأن الاقتصاد يُدار بالاستباق لا برد الفعل، وهذا ما جسدته حزمة التسهيلات التي أقرها مصرف الإمارات المركزي، والتي جاءت سريعاً جداً لتؤكد أن الإمارات تتحرك بثقة، وأن منظومتها المالية قادرة على التعامل مع التحديات وتوفير الدعم الاستباقي.
ومن يعرف سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس ديوان الرئاسة، يدرك أن هذا النهج ليس جديداً، بل هو أسلوب قائم على قرارات مدروسة تُتخذ في توقيت حاسم، تجمع بين المرونة والحزم، وتمنح الاقتصاد القدرة على الاستجابة السريعة وتعزيز الثقة في مختلف الظروف.
من هذا المنطلق يمكن قراءة حزمة التسهيلات التي أقرها «المركزي» برئاسة سموه، والتي جاءت سريعاً عقب التطورات الجيوسياسية الأخيرة، لتؤكد رسالة واضحة: الاقتصاد الإماراتي متماسك، وقطاعه المالي قوي، ومنظومته المصرفية قادرة على امتصاص الصدمات وتوفير السيولة لقطاع الأعمال بكفاءة عالية.
نعم، الإمارات لديها قدرة مالية ضخمة، فهي تمتلك أكبر أصول مصرفية في الشرق الأوسط تبلغ 5.4 تريليون درهم، وصناديق سيادية تتجاوز سبعة تريليونات درهم، وسمو الشيخ منصور الذي يقود «المركزي» بامتياز، يؤمن بأن القدرة المالية للإمارات يجب أن تستخدم لدعم الاقتصاد الوطني ومؤسساته، وتعزز الثقة والتنافسية للبلاد، وهو فعل خطه على الواقع خلال جائحة «كوفيد 19»، من خلال إجراءات الدعم التي أقرها للبنوك آنذاك، وأتت ثمارها بالفائدة على الجميع.
من الطبيعي أن تدفع أسواقنا كما هو الحال في أسواق العالم ضريبة الاعتداءات الإيرانية السافرة على دولنا، وما تبع ذلك من إغلاق وخطف مضيق هرمز من قبل الحرس الثوري الذي يمارس إرهاباً على السفن التجارية وناقلات النفط لمنعها من العبور.
هذه الضريبة تتمثل في تضخم قادم لا محالة، وفي تأثر سلال الإمداد العالمي، وفي تراجع الطلب، ما يعني تباطؤاً في المشاريع والإنتاج معاً، وأيضاً ضعف في سوق العمل، وتأثر في مبيعات التجزئة. 
أمام هذه التحديات وعلى غرار القرارات والإجراءات الاستباقية التي اتخذها «المركزي»، فإن الدوائر الحكومية المحلية تحديداً والاتحادية عموماً، معنية بإجراءات مماثلة وإعداد حزم تسهيلات تخفف على الشركات الصغيرة والمتوسطة الأعباء المالية، فهي عصب الاقتصاد وعددها يتجاوز المليون شركة.
هناك الكثير الذي يمكن لمؤسساتنا تقديمه لتحريك عجلة الاقتصاد بشكل أسرع، وتخفيف الأعباء عن هذه الشركات، عبر حزمة إجراءات عملية تشمل: تخفيض أو تأجيل الرسوم الحكومية، تقسيط الالتزامات، خفض تكاليف التراخيص، دعم التمويل المنخفض التكلفة، وتسريع المدفوعات الحكومية للموردين، وأيضاً تخفيض الرسوم العقارية بما يسهم في تحسين السيولة وتحريك عجلة الاقتصاد.
إن قوة اقتصاد الإمارات لا تكمن فقط في موارده، بل في مرونته وسرعة استجابته، وفي الشراكة الاستراتيجية بين القطاعين، التي أثبتت فاعليتها في مختلف الظروف.
في اللحظات الاستثنائية تُختبر الاقتصادات، وفي الإمارات تتجلى القدرة على تحويل التحديات إلى فرص. وبينما تتصاعد الضغوط العالمية، يبقى القرار الاستباقي هو الفارق بين اقتصاد يتأثر، واقتصاد يقود المستقبل.. هكذا علمتنا تجربة «كوفيد 19»، وهذا ما سيكتبه التاريخ عن تجربة اليوم.

[email protected]

23 مارس 2026
لماذا دبي تحديداً؟

دبي ليست مدينة عادية يمكن أن تمر الأزمات بها مرور الكرام، بل هي حالة استثنائية في عالم اعتاد النماذج التقليدية، ولهذا، فإن أي حدث يتعلق بها - مهما يكن حجمه - يتحول فوراً إلى قضية عالمية، وإلى مادة مفتوحة للتفسير والتحليل، وأحياناً للتشويه أيضاً.
من الطبيعي جداً أن تنال دبي، هذا النموذج الإماراتي الراقي والمتفوق، نصيب الأسد من التغطية الإعلامية حول العالم، خاصة في لحظات الأزمات، فهي مدينة لم تعتد أن تكون حاضرة في عناوين الصحف فقط، بل أن تتصدرها، في الأيام العادية قبل الاستثنائية، بفضل تميزها الفائق ونشاطها الدائم ومفاجآتها المستمرة، فهي مدينة تحظى باحترام من يزورها أو يسمع عنها، فكيف الحال حين تتعرض لاعتداء غاشم يستهدفها ويستهدف مرافقها المدنية الأيقونية؟
ومن الطبيعي أيضاً أن يتحول هذا الاعتداء الجبان على المدنيين في دبي إلى مادة دسمة للصحف الصفراء، لأن اسم دبي بحد ذاته عنصر جذب لا يُقاوم. وهنا تدخل هذه الصحف، ومعها مواقع إلكترونية تبحث عن الإثارة، في سباق محموم لتهويل الأمور وتشويه الحقائق واختراع روايات، وإضافة ما تتخيله من «بهارات» لجعل الخبر أكثر جاذبية، حتى وإن كان ذلك على حساب الحقيقة.. فلا هدف إلا الإثارة.. فهي اللعبة.
القصة لا تقف عند الإعلام فقط، فعلى الرغم من أن هذا السلوك مضرٌ وغير حضاري، ويحمل في طياته الكثير من الحسد والحقد والغل، بل حتى «البؤس»، إلا أن دبي أثبتت عبر تاريخها أنها قادرة على التعايش مع هذه الحملات، بل وتجاوزها، كما فعلت في الأزمة المالية العالمية عام 2008، وكما فعلت في التحديات اللاحقة، حيث لم تكن الأزمات سوى محطات مؤقتة أعادت من خلالها الإمارة ترتيب أوراقها، لتعود أكثر قوة وصلابة.
وإذا كان هذا هو الوجه الإعلامي، فهناك وجه آخر أكثر عمقاً.. فالمسألة في كثير من الأحيان ليست مجرد سعي لاستقطاب قارئ أو زيادة عدد النقرات، بل هي امتداد لما يمكن تسميته «الحسد السياسي»، ومحاولات منظمة للنَّيل من إنجازات الإمارة وموقعها العالمي..
هناك باختصار دوائر تضررت من صعود دبي كنموذج ناجح، استقطب الكفاءات والأثرياء والاستثمارات، وغيّرت خريطة الجاذبية الاقتصادية في المنطقة.
هناك أيضاً بعض المراكز والمدن المنافسة وجدت في هذه اللحظة فرصة، فغذَّت الهجوم عبر تضخيم الأحداث وتشويه الحقائق، وترويج صورة مضللة عن مدينة مهجورة أو متراجعة، ظناً منها أن الفرصة قد حانت لاستعادة ما خسرته من مكانة. لكن ما لم تدركه هذه الجهات أن دبي ليست ظاهرة عابرة، فهي تحولت إلى مركز عالمي يعيد تشكيل معادلات الاستثمار والحياة والعمل.
إلى كل هؤلاء نقول.. لا تفرحوا كثيراً، لأن الحديث عن «بدائل» لدبي لم يعد واقعياً كما كان يُطرح في السابق، فدبي لم تعد مجرد خيار بين عدة خيارات، بل أصبحت ضرورة اقتصادية ولوجستية ومالية مُلِحَّة في المنطقة، فهي مركز ابتكار، وحلقة وصل رئيسية بين الشرق والغرب، ومركز أعمال عالمي يصعب تجاوزه أو استبداله بسهولة.
دبي أرست منظومة متكاملة من البنية التحتية، والتشريعات المرنة، والبيئة الجاذبة، جعلتها نقطة ارتكاز للشركات والمستثمرين والكفاءات، بحيث لم يعد الانتقال منها إلى غيرها قراراً سهلاً أو حتى عملياً في كثير من الأحيان.
لهذا، فإن محاولات التقليل من دورها أو تصويرها كمرحلة عابرة تتجاهل حقيقة أساسية: أن دبي لم تعد خياراً يمكن الاستغناء عنه، بل هي ركن أساسي في معادلة الاقتصاد العالمي في هذه المنطقة.
أعود إلى حديث جرى بيني وبين أحد الصحفيين البريطانيين في عامي 2008 و2009، خلال أزمة المال العالمية، عندما تعرضت الإمارة لضغوط إعلامية مكثفة، سألته حينها: لماذا هذا الاهتمام الضخم بأخبار دبي في صحفكم؟ هل هو توجيه من حكومتكم؟
أجابني بين السطور: إنه توجيه غير مباشر من البنوك الإنجليزية، فهي من أكبر المقرضين للإمارة، وكانت المزود الرئيسي بالأخبار السلبية.
قلت: لماذا؟ قال: لأننا نعمل على الضغط للحصول على أولوية في السداد، ورأت هذه الجهات في «تشويه السمعة» وسيلة ضغط، حينها أدركت يقيناً أن «لا شيء بريئاً».
إنَّ ما يغيب عن كثير من هذه الحملات، أن دبي ليست مجرد أبراج شاهقة أو أرقام اقتصادية، بل هي قصة إنسانية حقيقية.. قصة ملايين الأشخاص الذين وجدوا فيها فرصة وأملاً، ومستقبلاً لم يكن متاحاً في أماكن أخرى. هي مدينة لا تُقاس فقط بما يُبنى فيها من أسمنت وحديد، بل بما تُشيّده من ثقة وأمان واستقرار في حياة من يعيشون على أرضها.
ولهذا، فإن أي محاولة للنَّيل منها لا تصطدم فقط باقتصاد قوي أو حكومة فعالة، بل بإرادة مجتمع كامل يؤمن بهذه المدينة، ويساهم في صنعها كل يوم.. مجتمع جاء من كل أنحاء العالم، واختار أن يجعل من دبي مكاناً للحلم والعمل والإنجاز.
والتاريخ القريب يؤكد أن نموذج دبي الذي شكّله صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في العقود الثلاثة الماضية، لا ينكسر تحت أي ضغط، لأن الإمارة تعرف نفسها مع كل أزمة، فمن 2008 إلى جائحة كورونا، كانت النتيجة واحدة: نهوض أسرع مما يتوقعه المشككون، وتحويل التحديات إلى فرص جديدة للنمو.
ما نشهده اليوم ليس إلا سحابة عابرة في سماء اعتادت أن تتجاوز العواصف.. والحقيقة الأعمق هي أن دبي لا تلتفت إلى الضجيج... بل تتجاوزه، وتواصل التقدم.

16 مارس 2026
الإمارات.. حين ينتصر النموذج على الضجيج

رائد برقاوي

في اللحظات الفاصلة من تاريخ الأمم تظهر المعادن الحقيقية للدول والمجتمعات، فحين تهبّ العواصف وتشتد التحديات لا يبقى في الواجهة سوى قوة القيادة، وصلابة المؤسسات، وتماسك المجتمع، وفي هذه اللحظة التي تواجه فيها دولة الإمارات اعتداءً إيرانياً سافراً، تتجلى صورة دولة استثنائية لم تُبنَ على الصدفة، بل على رؤية بعيدة، وإدارة كفؤة، وعمل متواصل على مدار عقود.
أثبتت الإمارات مرة أخرى أن الدول العظيمة لا تُقاس فقط بما حققته في أوقات الرخاء، بل بقدرتها على حماية منجزاتها في أوقات الاختبار، وبينما تتعرض لضغوط وهجمات غير مسبوقة، تمضي الحياة فيها بثبات وثقة.. اقتصاد يعمل ومطارات مفتوحة وموانئ نابضة ومجتمع مطمئن يثق بقيادته وقدرات دولته.
كم هو عظيم نموذج الإمارات، فهو متفرد في المنطقة، بل يتفوق في جوانب عديدة على تجارب عالمية في التنمية والنمو والازدهار، وفي الأمن والأمان والعدالة والكفاءة التشغيلية والقدرة المالية.. هذه العظمة وهذا التمدد الطبيعي لا بد أن يخلقا لهما أعداء، فالأمر لا يدعو للعجب، فهذه هي طبيعة بعض المجتمعات والأنظمة التي تمارس ما يمكن تسميته ب«الحسد السياسي».
الإمارات، بقيادتها وحكومتها الرشيدة عملت خلال بناء هذا النموذج بشكل مباشر على تقديم تجربتها لمنطقتها الخليجية والعربية والإسلامية للاستفادة منها ومحاكاتها، فهي تؤمن بأن البناء هو أساس الازدهار، وأن الازدهار هو الطريق الأكيد للاستقرار، كما حرصت، بشكل غير مباشر، على أن يكون هذا النموذج الناجح محفزاً للآخرين عرباً وأجانب، ليستلهموا فكرته ويبنوا عليه.
لكن، للأسف الشديد، فإن النجاح غالباً ما يُواجَه بالمقاومة والعداء قولاً وفعلاً، ويُرمى من القريب والبعيد معاً، لا لشيء إلا لأنه يكشف عيوب الفاشلين ويعريهم أمام شعوبهم، ويفنّد في الوقت ذاته نظرياتهم وشعاراتهم البالية التي «لا تسمن ولا تغني من جوع».. هكذا هو حال الإمارات اليوم في تصديها للاعتداء الإيراني السافر.
عظمة الإمارات يعرفها الجميع، فنحن نعيشها ونلمسها يومياً، وتجلت بأعلى مستوياتها خلال هذا الاعتداء الغاشم، حيث ظهرت الإمارات كما عهدناها: دولة كبيرة بنموذجها، قوية بقدراتها، راسخة بقيادتها، عالية الجاهزية بمؤسساتها وكفاءاتها.
استطاعت الإمارات أن تجعل الحياة تسير كما هي، وأن تبقي عجلة الاقتصاد والعمل والإنتاج دائرة بلا توقف، رغم كل الضغوط والمخاطر التي تتعرض لها على مدار الساعة خلال الأسبوعين الماضيين.. لم تتعطل المطارات، ولم تتوقف الموانئ، ولم تهتز ثقة المستثمرين، ولم يفقد المجتمع طمأنينته، بل على العكس تماماً، ازداد التماسك وارتفعت الثقة وتعمّق الإيمان بقدرة هذا الوطن على تجاوز التحديات.
هذا الإنجاز ليس حدثاً عابراً، بل تجربة ستُدرّس بلا شك في مراكز الأبحاث والجامعات العالمية: كيف يمكن لدولة في بقعة جغرافية صغيرة نسبياً أن تتصدى لما يقارب 150 هجوماً يومياً، وفي الوقت ذاته تحافظ على استمرارية الحياة الطبيعية، وتدير مطارات عالمية وموانئ دولية، وتواصل تصدير النفط، وتشغّل مصانعها، وتبث الطمأنينة في مجتمعها.
إنها القيادة الحكيمة، والإدارة الحكومية الكفؤة، والرؤية التي لا تتزعزع أمام التحديات.. إنه الوطن بأكمله، موطنين ومقيمين حيث المصير واحد والمستقبل واحد.. إنها الإمارات.. إمارات المستقبل،
ولعل من أجمل ما كشفته هذه اللحظة الصعبة، ذلك المشهد الإنساني الرائع الذي صنعه المقيمون في الإمارات، فهذه الأرض التي تحتضن أكثر من 200 جنسية لم تكن لهم مجرد مكان للعمل أو الإقامة، بل أصبحت وطناً ثانياً يسكن قلوبهم. في الأيام الماضية ظهر حبهم للإمارات صادقاً وعميقاً، رأيناهم يقفون معها بثقة وطمأنينة، يواصلون أعمالهم، ويتحدثون عنها بفخر، ويدافعون عن صورتها بكل محبة.
أدركوا أن هذا البلد منحهم الأمان والفرص والكرامة، فكان ردهم الطبيعي هو الوفاء والانتماء، وهكذا تجلت صورة الإمارات الحقيقية: وطن يجمع البشر على قيم العمل والتسامح والإنسانية، فيتحول من دولة تستضيف المقيمين إلى بيت كبير يحتضنهم جميعاً.
وفي المقابل، لعب «الحسّاد» وأصحاب الحسابات المجهولة وكتّاب الصحف الصفراء دورهم السلبي المعتاد في تلفيق الأكاذيب وتضخيم الشائعات ومحاولة بث القلق والتشكيك في الإنجاز، لكن هذه المحاولات كانت، كما في كل مرة، أضعف من أن تؤثر في وعي مجتمع يعرف بلاده جيداً ويثق بقيادته ثقة راسخة.
الإمارات لم تبنِ قوتها في يوم أو عام، بل بنتها برؤية وصبر وعمل متواصل، ولذلك فهي قادرة على حماية منجزاتها وصون أمنها والاستمرار في مسيرتها بثبات.
وما بين حسد الحاسدين وثقة المؤمنين بهذا الوطن، تبقى الحقيقة واضحة: الإمارات ليست مجرد دولة ناجحة، بل نموذج حضاري أثبت أن البناء الحقيقي أقوى من الضجيج، وأن العمل الصادق أبقى من الشعارات، وأن الوطن الذي يصنع المستقبل لا توقفه العواصف.