على الرغم من أهمية الاحتفاء الأممي بالشعر، في 21 مارس، فإن التقدير الرسمي وحده لا يفي بقيمة المناسبة، فالشعر لا يزداد توهّجاً بقرارات المنظمات الدولية، ولا ينتظر شهادة من جهة ما لتؤكد أهميته، إنه متوهج بذاته، باقٍ بقدرته الدائمة على قول ما تعجز اللغة اليومية عن قوله، فحتى في زمن التقنية والسرعة، لا نزال نلوذ ببيت شعر حين تضيق بنا اللغة، وحين تعجز الجملة العادية عن وصف الشوق أو الحب أو الغياب أو الفقد.
نحن العرب تحديداً نتحمل مسؤولية مضاعفة تجاه الشعر، لأننا ورثة تراث شعري عريق، ولأن القصيدة كانت دائماً جزءاً من تكوين وعينا الجمعي، فمن القصيدة العمودية إلى قصيدة التفعيلة والنثر، كان الشعر على الدوام سجلاً للوجدان العربي، ومجالاً للتأمل والسؤال، وحافظة للذاكرة الفردية والجماعية.
لعل اليوم العالمي للشعر يشكل فرصة لنعيد النظر في علاقتنا بالشعر، ولنسأل أنفسنا أين يقف في حياتنا اليوم؟ فمشكلتنا الحقيقية ليست في غياب الشعر، وإنما في الطريقة التي نقدمه بها، إذ كثيراً ما نتعامل معه كنصٍّ نخبوي أو كمادة للحفظ من أجل الامتحانات، وهكذا اتسعت المسافة بين القصيدة والقارئ، لأن الشعر عندما يقدم في إطار منفصل عن الحياة، وعندما نضعه في قالب جامد، فإننا نفقد جوهره الأصيل، وهو قدرته على ملامسة الواقع مباشرة، فالشعر فن يلتقط مشاعر الإنسان أمام الوحدة، والمنفى، والحب، والهوية، والذاكرة.
نعم نحتاج اليوم إلى أن يعود الشعر إلى الناس بطريقة طبيعية، أن يعود في المدرسة عبر الفهم لا الحفظ، وفي الإعلام بحضور حقيقي لا موسمي، وفي الحياة العامة من خلال المهرجانات الشعرية والأمسيات، وفي النشر بدعم القصيدة الجادة الرزينة، فاليوم العالمي للشعر ينجح فقط إذا تحول من مناسبة رمزية إلى ممارسة ثقافية يومية، ولو في دوائر صغيرة.
الشعر لا يحتاج إلى يوم واحد ليؤكد أهميته، بل نحتاج نحن هذا اليوم لنتذكر قيمته، نحتاج إليه لأن اللغة التعبيرية ذات قيمة في حياة البشر، ولأن الإنسان دوماً بحاجة لبيت شعر يواسيه ويهزه ويوقظه ويعيد ترتيب فوضاه الداخلية، ولهذا، يجب أن نجعل القصيدة رابطاً بين الحس الإنساني والجمال، وبين اللغة والحياة نفسها، فكلما ابتعدنا عن الشعر، ابتعدنا خطوة عن ذواتنا، وكلما عدنا إليه، استعدنا شيئاً من إنسانيتنا المنسية.

[email protected]