مع تأكيد المراقبين أن هامش المناورة في المفاوضات المحتملة بين واشنطن وطهران أصبح محدوداً جداً، انتقل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من التهديد بالتصعيد في الحرب ضد إيران إلى الإعلان عن محادثات «جيّدة جدّاً» لإنهائها، وقال إن الولايات المتحدة تتواصل مع زعيم إيراني لم يذكر اسمه وقال إنه «الرجل الذي أعتقد أنه أكثر الشخصيات التي تحظى بالاحترام وهو الزعيم»، مشيراً إلى أنه كان «عقلانياً جداً».
وقال دافيد كالفا المتخصص في شؤون الشرق الأوسط لدى «مؤسسة جان جوريس» في باريس: «لدي شكوك كثيرة (حيال المفاوضات) لأن الثقة دُمّرت بالكامل وباتت مواقف الأطراف المتحاربة متباعدة أكثر من أي وقت مضى». وأضاف «إن هامش المناورة من الجانبين محدود جداً».
وهناك أيضاً قراءة أخرى محتملة مفادها أن ترامب ربما يعمل على شراء الوقت قبل إرسال قوات بريّة أمريكية لمحاولة فتح مضيق هرمز أو السيطرة على أصول إيران النفطية.
وأوضح ترامب أنه ليس المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، المصاب وفق الإعلام الرسمي. وأشار موقع «أكسيوس» نقلاً عن مسؤول إسرائيلي لم يسمه، إلى إمكانية أن يكون هذا المحاور رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف.
لكن قاليباف نفى ذلك على منصة «إكس» وقال «لم تجر أي مفاوضات مع الولايات المتحدة». من جانبها، أفادت «نيويورك تايمز» نقلاً عن مسؤولين لم تسمهم، بحصول «تواصل مباشر» بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ومبعوث ترامب الخاص ستيف ويتكوف «في الأيام الأخيرة»، رغم أن أياً من الجانبين لم يؤكد صحة الأمر. لكن ذلك لا يعني عدم انعقاد «محادثات» أخرى.
ماذا عن محادثات غير مباشرة؟
أكد الناطق باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن الجانب الإيراني تلقّى رسائل في الأيام الماضية «من دول صديقة بشأن طلب أمريكي لمفاوضات هدفها إنهاء الحرب». وعقدت إدارة ترامب جولتي محادثات مع إيران منذ عاد ترامب إلى البيت الأبيض في 2025، انتهى كل منهما بهجمات أمريكية-إسرائيلية مباغتة على إيران. بدأ الهجوم الأول في يونيو/ حزيران من العام الماضي، أما الثاني ففي 28 فبراير/ شباط.
وكانت كل تلك المفاوضات غير مباشرة إذ أدت عُمان دور الوسيط فيها، ناقلة رسائل بين الطرفين المقطوعة رسمياً العلاقات الدبلوماسية بينهما منذ عام 1980. ويبدو أن سلطنة عُمان أصيبت بخيبة من تجاربها السابقة، لكنّ دولاً أخرى تربطها علاقات ودية مع طهران وواشنطن تدخلت على ما يبدو لتمرير الرسائل بين الجانبين، وعلى الأخص مصر وباكستان وربما تركيا. واتصل وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي بنظيره الإيراني عراقجي وبويتكوف الأحد والاثنين.
وأبدى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف الثلاثاء استعداد بلاده لاستضافة مفاوضات، لافتاً إلى أن المبادرة «رهن موافقة الولايات المتحدة وإيران».
لكن الباحث في معهد الشرق الأوسط روس هاريسون، مؤلف كتاب «فك شيفرة السياسة الخارجية لإيران»، شكّك في صحة ما يقوله ترامب بشأن التحدث مع «شخصية رفيعة المستوى» في إيران. وقال هاريسون: «لا أعتقد أنهم يتحدثون إلى أي شخص. أعتقد أن الأمر يتم عبر وساطة ما».
ما الذي ستتطرق إليه المفاوضات؟
بالمبدأ، برنامج إيران النووي دائماً وأبداً، علماً بأنه محور محادثات ومصدر توتر منذ عام 2003 وأحد الأسباب الرئيسية للعقوبات الدولية المفروضة على طهران. وقال ترامب الاثنين «لا نريد تخصيباً، لكننا نريد أيضاً اليورانيوم المخصّب»، في إشارة إلى مخزون إيران المعروف من اليورانيوم البالغ 440 كيلوجراماً والمخصّب إلى نسبة 60% القريبة من 90% التي تحتاجها صناعة قنبلة نووية.
وفي آخر جولة محادثات قبل الهجوم الأمريكي الإسرائيلي في 28 فبراير، عرضت طهران استخراج مخزونها من تحت منشآتها النووية التي تعرّضت للقصف وخفضه إلى مستويات أقل، بحسب وزير الخارجية عباس عراقجي. كما عرضت طهران التي طالما نفت سعيها لصناعة سلاح نووي، السماح بعودة مفتّشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفق تقارير.
وأكد ترامب الاثنين أن هناك «نقاطاً مهمة اتفق عليها الجانبان» الأمريكي والإيراني. لكن بعد تعرّضها للهجوم مرّتين، يرجّح أن تسعى إيران للحصول على ضمانات بعدم تعرّضها لعدوان في المستقبل وعلى تعويض مالي عن القصف ورفع العقوبات المفروضة عليها.