شكَّلت الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب نقلة جذرية في الملف الإيراني، والتي تأطرت باستخدام القوة العسكرية لإجبار طهران على تنفيذ المطالبات الدولية الساعية لإرساء السلام في منطقة الشرق الأوسط.
وعلى الرغم من أن البرنامج الرئاسي لترامب تمحور في مسألة عدم الدخول في مواجهات عسكرية في الخارج، والالتفات للداخل الأمريكي للتعامل مع التحديات التي تواجهها قضايا الاقتصاد والأمن الداخلي، فإن أول عام من ولايته الثانية شهدت مواجهات ال12 يوماً مع إيران، بالإضافة إلى الحرب الحالية التي بدأت مع نهاية فبراير (شباط)، وإعلان ترامب بعد 24 يوماً عن هدنة -هشة نوعاً ما- لخمسة أيام، يتخللها الحديث عن مباحثات ستحدد إن كانت هذه الحرب ستنتهي أو ستستمر.
هذا الأمر يستدعي طرح العديد من التساؤلات، لعل أبرزها، ماهية المقاربة الأمريكية بإعلان الهدنة؟ وإلى أين ستتجه الأحداث أمريكياً بناء على المعادلتين الداخلية والخارجية؟
المقاربة الأمريكية لم تكن مفاجِئة للمراقبين، فإرهاصات خطوة فتح قنوات الاتصال بدأت بتصريحات الرئيس ترامب نفسه عندما قال: إنه مستعد للتفاوض مقابل استسلام طهران غير المشروط، وتصريح رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي، براين ماست، بأن هناك تواصلاً غير مباشر بين الإدارة الأمريكية والمرشد الإيراني الجديد مجبتى خامنئي، ونقل موقع «أكسيوس» عن التواصل الحاصل بين الأمريكيين والإيرانيين، واشتراطات الطرفين لحلحلة الحرب الحالية.
تغريدة ترامب جاءت لتضع النقاط على الحروف، وهو الأمر الطبيعي في تاريخ الحروب التي لا بد أن تكون لها بداية ونهاية، وبغض النظر إن كانت هذه النهاية مُرضية لأي من الطرفين، أو إن عُدت نهاية أصلاً، فإن الوصول إلى نقطة المفاوضات -على الرغم من هشاشتها- فإنها تُعد مؤشراً إيجابياً لا بد من استغلاله، وبالنظر إلى تأكيد ترامب في أكثر من مقام أن الحرب ستنتهي في أقرب فرصة ولن تطول، وتحديده لإطار زمني بين 4 إلى 6 أسابيع، فإننا في الأسبوع الرابع، وهو الأمر الذي قد يسعى من خلاله ترامب إلى إضفاء نوع من المصداقية في تصريحاته، بعد أن واجه سيلاً من الانتقادات بأنها متضاربة وتُعبر عن ضياع أو ما سُمي «بالوهم المزدوج» التي وقعت به الولايات المتحدة مع إسرائيل، في تصور سقوط النظام بعد تصفية رأسه «علي خامنئي»، والذي ثبت أن هذه الرؤية لم تكن في محلها في ظل تماسك الحرس الثوري، ولجوئه إلى مقاربة إثارة الفوضى في الاقتصاد العالمي كأحد أدوات الردع القادرة على الضغط على البيت الأبيض.
وفي كل الأحوال فإن الأحداث تبدو أنها متجهة نحو مسارين: الأول نحو التهدئة الإيجابية، وذلك من منطلق احتواء التفاقم الحاد في أسعار النفط التي أضحت ارتداداتها مؤثرة على دول العالم قاطبة، أما المسار الثاني، فيتمثل بعودة التصعيد على اعتبار أن إعلان الهدنة يُعبر عن مناورة للتعامل مع الأسواق العالمية خصوصاً أنه جاء مع افتتاح الأسواق، وستنتهي مدة الهدنة -الخمس أيام- مع الإغلاق. هذا المسار قد يرمي أيضاً للتعاطي مع الانتقادات الداخلية التي تلقاها ترامب من قبل التيار الاقتصادي في معسكره، ناهيك عن الديمقراطيين، ولعل مُرجحات المسار الثاني يمكن فهمها من حقيقية أن العديد من السفن الحربية متجهة نحو الخليج العربي كالسفينة الهجومية «تريبلولي» القادمة من اليابان والمحملة بآلاف من الجنود، وثلاث سفن حربية قادمة من المحيط الهادئ والمحملة ب2200 من المشاة البحرية «المارينز»، ناهيك عن الخطط لإرسال قوات النخبة المدربة للتعامل مع الأسلحة النووية، كل هذه التحركات قد تكرر ما قام به ترامب في المواجهة الأولى العام الماضي، وهذا العام، وذلك عبر توجيه الضربات العسكرية وسط أوقات المفاوضات.
إن التجارب السابقة في المفاوضات بين إدارة ترامب والإيرانيين أثبتت مدى تعقيدها، ولكن دخول العديد من الدول في المعادلة هذه المرة قد يعمل «نسبياً» على خلق خارطة طريق جديدة تُجنب المنطقة ودول الخليج العربي من أزمةٍ لا ناقة ولا جمل لهم فيها. ولا شك أن ثمة مدركات لدى صانع القرار الأمريكي يُفترض أن تكون جلية، فحواها أن المصالح الأمريكية وتقاطعاتها مع الجانب الإسرائيلي محدودة إذا ما تم القياس على مستوى المصالح العالمية لواشنطن، ناهيك أن استعانة ترامب بالقدرات العسكرية الأمريكية من الإندوباسفيك، عبر تحريكها بالقرب من إيران، قد لا يخدم الرؤى الأمريكية المرسومة لتقويض الطموحات الصينية، والتي تعد الأهم والأخطر إذا ما تم قياسها بمعادلة المصالح الحتمية الأمريكية.