في حتّا، لم يعد الحلم مؤجلاً إلى سنوات النضج، بل بات يولد مبكراً، على طاولات صغيرة وأيادٍ طفولية تحمل أفكاراً أكبر من أعمارها. خطفت مبادرة «التاجر الصغير» الأنظار، ليس بوصفها فعالية ترفيهية، بل تجربة حقيقية تعيد تعريف مفهوم ريادة الأعمال، وتؤكد أن الاستثمار في الإنسان يبدأ منذ الطفولة.
انطلقت المبادرة هذا العام بمشاركة أطفال تتراوح أعمارهم بين 8 و13 عاماً، قدّم كل منهم مشروعاً مختلفاً، نابعاً من ميول شخصية أو تجارب عائلية، ليشكّلوا معاً لوحة متكاملة تعكس تنوّع الأفكار وتعدّد الأحلام، والقدرة المبكرة على تحويل الشغف إلى مشروع.
لم يكن عدد المشاركين كبيراً، لكن الأثر كان واضحاً؛ فكل طفل لم يقدّم منتجاً فحسب، بل خاض تجربة كاملة، تعلّم خلالها كيف يعرّف بنفسه ويشرح فكرته، ويتعامل مع الزوار بثقة ومسؤولية.

الخرز طريق للفن


على إحدى الطاولات، كانت ريم محمد ترتّب أساور وقلائد صنعتها بنفسها من الخرز الملوّن، بدت التفاصيل بسيطة للوهلة الأولى، لكنها في الحقيقة كانت نتاج ساعات من التجربة والتعلّم، ودعم عائلي آمن بموهبتها. ريم لم تخفِ حلمها؛ أن تصبح في المستقبل فنانة مجوهرات، قادرة على تصميم قطع تحمل هويتها الخاصة.
أما لطيفة سالم، شاركت بمشروع مشابه في تصميم المجوهرات من الخرز، لكن بأسلوبها الخاص. لم تكن القطع متشابهة، بل عكست ذائقة مختلفة وميلاً واضحاً للتجريب في الألوان والأشكال. لطيفة تحدثت للزوار بثقة لافتة، وشرحت لهم كيف تختار الخامات وكيف تتخيل القطعة قبل تنفيذها.

مهرة ناصر


وجهت مهرة ناصر الشكر إلى «براند دبي» ومع مؤسسة محمد بن راشد لتنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة، على الاهتمام بالمبادرة التي عكست فهماً مبكراً لمفهوم البيع والتعامل مع الجمهور. فمشروعها وإن بدا بسيطاً في شكله، إلا أنه أظهر قدرة واضحة على التواصل وإقناع الزوار وإدارة الحوار حول فكرته.
أما خليفة أصغر تاجر يبلغ من العمر ثمانية أعوام، يبيع مستلزمات مدرسية لأصدقائه، ما يؤكد أن المبادرة تسلط الضوء على أهمية تعليم الأطفال ثقافة التجارة والبيع، وتمكينهم من تطوير مهاراتهم التجارية، وتقدم أيضاً فرصاً للأطفال لتنمية أفكارهم المستقبلية في ريادة الأعمال.

عدسة حمد


في ركن آخر من المبادرة، كان الطفل حمد يقدّم مشروعه في مجال التصوير، حاملاً عدسته بشغف واضح. لم يكن التصوير بالنسبة له مجرد التقاط صورة، بل وسيلة للتعبير، ومحاولة لتوثيق الجمال من حوله، خصوصاً في طبيعة حتّا الجبلية.
تحدّث حمد عن حلمه بأن يصبح مصوراً محترفاً، قادراً على نقل القصص بالصورة، وهو ما انعكس في طريقة عرضه للمشروع، وثقته في الحديث عن زوايا التصوير، واختياره للمشاهد، وقد جسّدت تجربته كيف يمكن للمهرجان أن يكون منصة لاكتشاف المواهب، لا مجرد مساحة عرض للمنتجات.

مساحة تعليمية


ما يميز «التاجر الصغير» أن أثره لا ينتهي بانتهاء الفعالية. فالتجربة تترك بصمتها في وعي الطفل، وفي نظرة الأسرة، وحتى في تفاعل المجتمع مع قدرات الصغار.
ومع الإقبال اللافت من الزوار، بدت المبادرة وكأنها نواة لدورات قادمة أكثر اتساعاً، وربما لقصص نجاح نسمع عنها بعد سنوات.

إشادة الزوار


أشاد عدد من الزوّار بمبادرة «التاجر الصغير»، مؤكدين أنها تجربة نوعية تسهم في تعليم الأطفال مبادئ التجارة وريادة الأعمال بأسلوب عملي مبسّط، وتسهم في تعزيز ثقتهم بأنفسهم وتنمية مهاراتهم منذ سن مبكّرة.
وقال جمعة هاشم البدواوي، ما شاهدناه اليوم تجربة ملهمة، حيث يتعلّم الأطفال أسس البيع والتعامل مع الجمهور بطريقة تطبيقيــــة، وهو ما يفـــــوق أثر التعليم النظري.
وأوضح محمد عبيد هلال، أن المبادرة تحمل أبعاداً تربوية مهمة، أن تعليم الأطفال مفاهيم المسؤولية والعمل منذ الصغر ينعكس إيجاباً على شخصياتهم في المستقبل.
وقال محمد عبدالله غريب، إن اختيار حتّا أسهم في نجاح التجربة، البيئة الطبيعية والهدوء في حتّا شكّلا عاملاً محفّزاً للأطفال، وساعداهم على التفاعل بثقة وارتياح.
بينما أشارت فاطمة المهيري، إلى الأثر النفسي للمبادرة، قائلة إن الأطفال يشعرون بالفخر بما يقدّمونه، وهذا بحد ذاته إنجاز تربوي قبل أن يكون مشروعاً تجارياً.

اللجنة التنظيمية


أوضحت أمينة طاهر، عضو اللجنة التنظيمية للمهرجان، أن دورة هذا العام شهدت تعاوناً مع مؤسسة محمد بن راشد لتنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة، في خطوة تهدف إلى غرس ثقافة العمل الحر، وتعزيز روح المبادرة لدى الأطفال، ضمن بيئة آمنة ومحفّزة، تجمع بين التعلم والتجربة الميدانية.وقالت: «ما نراه اليوم ليس مشروعاً متكاملاً، بل بذرة موهبة، الأهم أن الطفل يفهم قيمة العمل، وأن يشعر بأن فكرته تستحق أن تُعرض وتُحترم».ولفتت إلى أن بعض الأطفال يبرزون في الإبداع الفني، وآخرون في مهارات التواصل والتجارة. وترى، أن اختيار حتّا لاستضافة هذه المبادرة لم يكن اختياراً عابراً، فالمنطقة بطبيعتها الهادئة وارتباطها بالتراث والعمل اليدوي، تشكّل بيئة مثالية لمثل هذه التجارب وسط الجبال وبين المساحات المفتوحة، شعر الأطفال بالراحة وتفاعلوا مع الزوار دون رهبة.