مصطفى الزرعوني

المعادلة الأقوى في الحرب الجارية تكمن في أسعار النفط التي ستحدد مدة الحرب، بضغوطاتها على العالم بأسره، وتخوف عالمي من حدوث كساد اقتصادي إذا وصل سعر البرميل إلى 170 دولاراً، وكيف يمكنها أن تهدد المنظومة الاقتصادية الدولية وتشلّ العالم؟
النفط اليوم لم يعد مجرد سلعة تتأثر بالحروب، بل أصبح هو نفسه إحدى أدوات إدارة الحرب، فكل دولار إضافي في سعر البرميل ينعكس مباشرة على التضخم العالمي، على كلف النقل، وعلى الغذاء، وعلى قدرة الدول على الاستمرار في التمويل، ولهذا فإن معركة النفط اليوم لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية، بل قد تكون هي التي تحسم زمنها وحدودها.
ما يحدث في السوق حالياً ليس حركة طبيعية، بل إدارة دقيقة لتدفقات السماح المؤقت ببيع النفط الإيراني، مع وجود ما يقارب 140 مليون برميل عائمة في البحر جاهزة للدخول، إلى جانب تخفيف القيود على النفط الروسي رغم العقوبات، وفتح المخزونات الاستراتيجية عبر وكالة الطاقة الدولية، كلها خطوات تشير إلى أن السوق لم يعد يتحرك بعوامل العرض والطلب فقط، بل بقرارات سياسية محسوبة.
ومع هذا التحول برز سؤال: من يقرر متى يتم تدفق النفط؟ هذه النقطة تعيد تعريف القوة في سوق الطاقة بالكامل. في الماضي كانت أوبك تتحكم بالإنتاج وبالتالي بالأسعار إلى حد كبير اليوم، لكن هذا التأثير لم يعد كافياً، لأن هناك من بات يتحكم بالتدفقات.
النموذج الأوضح على ذلك هو إيران وفنزويلا، كلاهما يمتلك احتياطيات ضخمة، لكن وجود نفطهما في السوق لا يعتمد على القدرة الإنتاجية فقط، بل على القرار السياسي الذي يسمح لهما بالتصدير في أوقات معينة، ويتم تقييدهما في أوقات أخرى، وفق ما يخدم توازن السوق العالمي، وهنا تتحول الموارد من إنتاج ثابت إلى مخزون مرن قابل للإدارة.
ولكن في موازاة ذلك، ظهرت مؤشرات ميدانية خطيرة في هذه الأحداث تعكس حجم الضغط على سلاسل الإمداد، من خلال لجوء بعض الدول إلى تفعيل أو التلويح ببنود القوة القاهرة في عقود الطاقة مثل قطر والكويت والبحرين، حيث بدأت بإعادة تقييم مسارات الشحن والتسليم، ليس فقط كإجراء احترازي، بل كإشارة إلى أن المخاطر الجيوسياسية أصبحت جزءاً من معادلة التوريد نفسها. هذا التحول يمتد أيضاً إلى العراق، حيث أصبح تغيير مسارات النقل أو تأخير الشحنات خياراً مطروحاً لتفادي المخاطر.
وهذا أضاف من حالة عدم اليقين في السوق، ويعزز فكرة أن تدفقات النفط لم تعد مستقرة كما كانت، بل أصبحت مرنة وقابلة للتعديل وفق الظروف.
لكن التحول الأعمق لا يقف عند الإنتاج أو حتى الإمدادات بل يصل إلى مسارات النقل نفسها، فالولايات المتحدة إذا ما أرادت أن تكون هي من تدير التدفقات النفطية والتحكم في الإنتاج بدلاً من «أوبك» أو «أوبك +»، عليها أن تملك نفوذاً واسعاً على الطرق التي يسلكها النفط عبر الممرات البحرية، وهذا يبدأ من نجاحها في فتح مضيق هرمز وتأمين الملاحة عليه بشكل دائم.
وهذا يضع الدول الصناعية الكبرى، وعلى رأسها الصين، أمام معادلة معقدة، فحتى لو توفر النفط، يبقى السؤال: هل يمكن نقله بسهولة؟ وبأي كلفة؟ وتحت أي شروط؟ الاعتماد على منظومة يمكن التأثير عليها سياسياً يجعل أمن الطاقة مرتبطاً ليس فقط بالإمدادات، بل بمرونة الوصول إليها.
وفي موازاة ذلك، تلعب وكالة الطاقة الدولية دوراً مختلفاً تماماً عما كانت عليه في السابق، إذ لم تعد جهة تحليل ومراقبة فقط، بل أصبحت أداة تنسيق بين الدول الصناعية لضبط السوق، والإفراج عن كميات قد تصل إلى 300 أو حتى 400 مليون برميل من المخزونات الاستراتيجية لا يتم بهدف إغراق السوق، بل بهدف كبح أي ارتفاع غير مرغوب فيه، وتوجيه الأسعار بشكل تدريجي ومدروس.
هذا التطور يضعف الدور التقليدي لأوبك بشكل تدريجي، وخفض الإنتاج لم يعد كافياً لرفع الأسعار كما في السابق، لأن هناك دائماً براميل جاهزة خارج السوق يمكن إدخالها لتعويض أي نقص، وهذا يعني أن أوبك لم تعد اللاعب الوحيد، بل باتت جزءاً من منظومة أكبر.
نحن اليوم أمام سوق طاقة لم يعد حراً كما كان، بل سوق نفط لم يعد مجرد سلعة، إنما أداة اقتصادية وسياسية تُستخدم لضبط التوازنات العالمية ومنع الانهيارات.
الخلاصة، لم تعُد القوة في عدد البراميل المنتجة، بل في قرار ضخها وتوقيت وصولها. إن وجود 140 مليون برميل عائمة، ومئات الملايين في المخزونات الاستراتيجية، إلى جانب الإمدادات المقيدة بالعقوبات، كلها أدوات تحكم يتم استخدامها في اللحظة المناسبة.
نحن لم نعد أمام سوق نفط تقوده «أوبك» كما كان لعقود، بل أمام سوق طاقة تُديره واشنطن عبر التوقيت والتدفقات. والفرق بين الاثنين، هو الفرق بين التأثير والسيطرة.