في الحروب، تسقط الصواريخ على المدن، لكن الأخطر حين تسقط المعايير داخل العقول.
ما يحدث اليوم مع الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج لا يكشف فقط طبيعة الصراع، بل يكشف شيئاً آخر: كيف يمكن أن يتحول بعض العرب من إدانة استهداف المدنيين إلى تبريره، أو البحث له عن عذر؟
المفارقة أن كثيرين ممن يرفعون شعارات العدالة وحقوق الإنسان، ويرفضون الهيمنة والتبعية ويحاربون الاستعمار وبقاياه، هم أنفسهم من يجدون اليوم تفسيراً جاهزاً لكل صاروخ يسقط على مدينة خليجية، مرة باسم «الرد»، ومرة تحت عنوان «التوازن»، ومرة بالصمت، وكأن الضحية يجب أن تصنف أولاً قبل أن تدان الجريمة.
يبدو أن هذه مشكلة نفسية؛ فحين يصعب على الإنسان أن يعترف بالتناقض، يعيد تفسير الواقع بدل أن يراجع موقفه، فيقنع نفسه أن ما كان مرفوضاً بالأمس يمكن قبوله اليوم، ثم يأتي التحيز، فيرى فقط ما يدعم موقفه، ويتجاهل ما سواه.
الأخطر من كل ذلك هو هذا التشوش في الوعي، أن تصل إلى مرحلة لا تعود فيها قادراً على التمييز بين من يقف معك ومن يعمل ضدك منذ عقود، كأن الذاكرة مسحت، أو تم تجاهلها طوعاً.
ولعل ما قالته فايزة هاشمي، ابنة الرئيس الإيراني الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني، يلخّص جانباً من الحقيقة الصادمة، حين أقرت بأن النظام الإيراني تسبب في قتل مسلمين في سوريا واليمن والعراق أكثر مما فعلته الولايات المتحدة وإسرائيل. ومع ذلك، ما يثير الاستغراب أن البعض لا يزال يردد مبررات هذا النظام، وكأن الوقائع لا تعنيه أو لا يراها!!
خمسون عاماً تقريباً من التدخلات، من دعم الميليشيات، من العبث بعواصم عربية، من تحويل دول إلى ساحات صراع مفتوحة، تاريخ قريب، ليس في كتب قديمة، بل في نشرات الأخبار اليومية التي عشناها جميعاً. ومع ذلك، يخرج من يخفف من صورة المعتدي، ويبحث عن أخطاء الشقيق، ويضع من يفترض أنه السند في موضع الاتهام.
سيكتب التاريخ أنه خلال شهر من الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج، لم تكن الصواريخ هي الأكثر إيلاماً، بل ما كشفته من خلل في الوعي العربي.
أن ترى مدناً تستهدف، ثم تبحث بعض الأصوات عن مبرر، أو تلوذ بالصمت، أو تساوي بين الضحية والمعتدي.
@MEalhammadi
