أحمد مصطفى
ربما كانت القضية الأولى التي تحظى باهتمام السياسيين فيما يسمى «الديمقراطيات الغربية» هي قضية الهجرة والمهاجرين. وتتباين المواقف ما بين اليمين التقليدي المعادي للهجرة واليمين المتطرف الصاعد الذي يرفع شعارات عنصرية وبين اليسار الذي يزايد على اليمين أحياناً بتلك القضية التي تشكل دعاية انتخابية مثالية.
يعزز من ذلك الإعلام الغربي، الذي ننقل عنه بالعربي، من يمينه إلى يساره، الليبرالي منه والمتشدد. والقصد هنا هو الهجرة من دول الجنوب النامية والتي يعاني بعضها من حروب وأزمات، حتى لو كان الغرب السبب فيها مباشرة أو بشكل غير مباشر، إلى دول الغرب المتقدم.
ورغم أن هناك أصواتاً، خافتة جداً، في الغرب تحاول الرد على تلك الحملات الواسعة بتوضيح الفائدة الاقتصادية للهجرة واعتماد اقتصاد الدول المتقدمة على المهاجرين في قطاعات كثيرة إلا أن الصوت المتسيد هو العداء للهجرة والمهاجرين.
إنما ما لا يتحدث عنه أحد، خاصة في السنوات الأخيرة، هو هجرة الغربيين من بلادهم إلى دول الجنوب التي أخذت في الزيادة مؤخراً حتى كادت تعادل أو تزيد على الهجرة إلى بلاد الغرب. وليس لدى الدول الغربية إحصاءات بأعداد المهاجرين منها، أي الذين يتركون بلادهم إلى بلاد أخرى من دبي إلى تايلاند، لأغراض الإقامة وليس السياحة أو سفر الأعمال والتجارة.
حاولت مجلة «الإيكونوميست» في عددها الأخير تقديم صورة عن حجم الهجرة من الدول الغربية استناداً إلى أرقام رسمية مختلفة، فكانت النتيجة مدهشة حقاً. شمل تقرير المجلة أكثر من ثلاثين بلداً غربياً مثل استراليا وبريطانيا وكندا وألمانيا. مرة أخرى ركز الإحصاء والتحليل على المهاجرين من تلك الدول للإقامة في دول أخرى وليس لأغراض السفر المؤقت.
كانت النتيجة أن ما يزيد على أربعة ملايين شخص هاجروا من تلك البلاد الغربية في العام قبل الماضي 2024، بزيادة بنسبة عشرين في المئة عما كان عليه الوضع قبل وباء كورونا عام 2020. أما الولايات المتحدة، التي لم يشملها تقرير «الإيكونوميست» فقد هاجر منها العام الماضي 2025 نحو ثلاثة ملايين شخص، مقابل مليونين من المهاجرين الأمريكيين عام 2021.
تراجعت بشدة الهجرة من الدول الأخرى إلى دول الغرب مع تشديد الولايات المتحدة ودول أوروبا وغيرها قوانين وإجراءات الهجرة واللجوء، بل وترحيل المهاجرين بأعداد كبيرة. مع الأخذ في الاعتبار أن كثيراً من المهاجرين إلى الغرب لا ينوون البقاء، فمن ذهبوا للدراسة سيعودون بعد نهايتها وكذلك العمالة المؤقتة في مواسم معينة يعودون إلى بلدانهم.
منذ ما بعد وباء كورونا أصبحت ظروف العمل أكثر مرونة وبالتالي يمكن العمل عن بعد، بدلاً من العمل في بلد العمل يمكن من مكان في بلد آخر. إنما الدافع الآخر المهم لهجرة الغربيين من بلادهم هو السياسات الضريبية وتكاليف المعيشة. ولعل المثال الأبرز هو بريطانيا التي يغادرها البريطانيون، ليس فقط إلى دبي ومدن آسيوية أخرى فحسب، وإنما أيضاً إلى دول أوروبية مثل إسبانيا وغيرها.
تشير الأرقام والإحصاءات إلى أنه منذ عام 2019 هناك نحو مليوني غربي يعيشون في بلدان غربية أخرى، ويمثل المهاجرون الأمريكيون من هؤلاء نسبة تقارب النصف. إذ ليست ظروف العمل وزيادة الضرائب السببين فقط لهجرة الغربيين من بلادهم، بل هناك أسباب تتعلق بالسياسة أيضاً.
يلاحظ أنه منذ أن جاءت إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى السلطة مطلع العام الماضي زادت أعداد الأمريكيين الذين يهاجرون إلى دول في الخليج أو حتى دول غربية مثل بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وغيرها. لا يقتصر الأمر على الأثرياء الذين يهاجرون كي لا يدفعوا ضرائب عالية، أو من لديهم من الأموال ما يجعلهم يختارون العيش في مناطق أفضل. بل إن هناك من المواطنين العاديين من يهاجر خشية زيادة العنصرية وتراجع مستوى المعيشة، ليس المادي فحسب وإنما الاجتماعي أيضاً.
مع استمرار صعود اليمين المتطرف في الدول الغربية يتوقع أن ترتفع أعداد المهاجرين من الغرب أكثر وتتراجع أعداد المهاجرين إليه.