مفهوم أن الأخبار تحتاج «الإثارة» للفت الانتباه، لكن المبالغة في «التهويل» قد تأتي بنتائج عكسية أحياناً ويكون ضررها أكثر من نفعها، في حرب الخليج السابقة جرى تضخيم قوة العراق العسكرية لينتهي الأمر بغزوه واحتلاله مطلع القرن و«إعادته إلى العصر الحجري» بوصف الأمريكيين، ويبالغ البعض الآن في قوة إيران بينما يجري تدميرها بشكل قد لا يختلف عما حدث للعراق قبل أكثر من عقدين.
ربما يرفع التهويل من الروح المعنوية للبعض في حالة الحروب، لكن المبالغة والتضخيم فيما يتعلق بالاقتصاد تنعكس سلباً على الجميع، فمنذ بداية الحرب، يحذر كثيرون من مخاطر اقتصادية هائلة قد تدفع بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي، أي توقف النمو والانكماش مع ارتفاع التضخم وزيادة معدلات البطالة.
أتذكر أني كتبت في «بي بي سي» أثناء الأزمة المالية العالمية في نهاية العقد الأول من هذا القرن رداً على من توقعوا «انهيار نموذج دبي» نتيجة الأزمة، وفندت بالمنطق ذلك «التهويل» وقتها وأشرت إلى أن النموذج لن ينهار بل سيخرج من الأزمة ربما نحو الأفضل، وهو ما حدث في الواقع.
مع أن المثال هنا يختلف إلى حد ما، لكن لا أظن أن التهويل عن التبعات الاقتصادية للحرب واقعياً تماماً، دون أن ننفي أن أضرار الحرب الاقتصادية حقيقة واقعة بالفعل وقد تتطور، لكنها ليست بالصورة التي يرسمها البعض عن انهيار الاقتصاد العالمي إذا استمرت الحرب.
صحيح أن أسعار النفط ترتفع وتنخفض مع طول أمد الحرب، لكنها تتحرك في نطاق ضيق حول مئة دولار للبرميل، ورغم تعطل الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز لم تتوقف الإمدادات وإن انخفض المعروض النفطي قليلاً لكنه لم يؤثر في توازن السوق، ولدى الدول المنتجة في الخليج والدول المستهلكة في العالم تدابير احتياطية لمواجهة أي تصاعد للأزمة بما يحول دون صدمة كبيرة كالتي حدثت في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي.
ثم إن الاقتصاد العالمي، الذي يقوده أكبر اقتصاد في العالم بالولايات المتحدة، يتمتع بمرونة فاجأت حتى بعض الاقتصاديين الغربيين الذين وقعوا في فخ التهويل مع بداية الحرب، وها هم الآن يتحدثون ويكتبون عن أن «الاقتصاد أثبت أنه أقوى مما توقعوا»، أما إذا أخذنا الأسواق كمؤشر فهي لم تنخفض بشدة، بل إن التراجع فيها لا يختلف عن عمليات تصحيح سابقة بنسبة معقولة، وربما أقل مما حدث في أكثر من مرة خلال السنوات الأخيرة.
بالتأكيد هناك أضرار للحرب، خاصة على الدول الأكثر عرضة للمخاطر، وهناك احتمالات لارتفاع معدلات التضخم مع زيادة الأسعار ليس للطاقة فقط ولكن للغذاء وأغلب ما يستهلكه البشر حول العالم. لكن ذلك ليس بقدر التهويل الذي يتردد عن الاقتصاد. حتى الحديث عن تضرر الاقتصادات الآسيوية أكثر من غيرها، وهو صحيح، قد يكون مقدمة لخروج تلك الاقتصادات من الاعتماد على نموذج سلاسل توريد معينة إلى تنويع يضمن لها الاستدامة في النمو بعد الحرب.
يتبخر التهويل العسكري، والسياسي، بسرعة أمام تطورات الواقع، أما التهويل الاقتصادي فقد يسبب أضراراً آنية خاصة وأن الكثير من الأسواق تتعامل وتتداول استناداً إلى الأخبار مدفوعين بما يسمى «العالم النفسي». ومن شأن التهويل أن يدفع نحو مخاطر لا تستند إلى واقع، إما بعمليات بيع هائلة للأسهم والسندات أو التردد في الإنفاق الاستثماري أو ما شابه.
هذا التفاعل نتيجة التهويل يكون أكثر ضرراً من التبعات الاقتصادية الفعلية للحرب، سواء على أسواق الطاقة أو على قطاعات الاقتصاد المختلفة.
ورغم أنه في أوقات الصراعات الساخنة يكون من الصعب ضبط التوقعات، إلا أن المعنيين بالاقتصاد يتعين أن يفكروا ببرودة أعصاب واتزان العقل، فأي إجراءات أو سياسات تتقرر تحت ضغط التهويل قد تكون نتائجها عكسية وتترك أثراً سلبياً على المدى الطويل.
ستنتهي الحرب، بنصر وهزيمة أو باتفاق وتسوية، وتتبخر معها حملات التهويل العسكري والسياسي، أما الاقتصاد فهو قائم على واقع أكثر رسوخاً ويجب التعامل معه على هذا الأساس.
[email protected]
عن «التهويل» الاقتصادي
8 أبريل 2026 00:18 صباحًا
|
آخر تحديث:
8 أبريل 00:18 2026
شارك