إلى حد كبير يشبه أرشيف الصور أرشيف التاريخ، لا بل تتحول الصورة إلى وثيقة إذا كانت على درجة أهمية كبيرة من حيث تدوين التاريخ، ومن أجمل العادات الوجدانية احتفاظ الناس بصورهم في ألبومات جميلة بعضها من الجلد وبعضها من القماش النفيس، أما الصور العائلية المعلّقة، فهي تاريخ متدرّج على الحيطان والجدران، والصورة الحميمة من الصعب أن تسقط من الإطار، ومن الذاكرة، والصور العزيزة هي تلك التي تروي حكايات ولكن بلغة بصرية هي أحياناً، أكثر حرارة، من اللغة الأبجدية.
وفي أرشيفي صورة هي حكاية، ففي ظهيرة أحد شهور عام 2009، وكان ذلك وقت شتاء في دبي كنت والصديق الرسام حسن شريف، والصديق الرسام محمد كاظم في زيارة لغاليري 1×1 في دبي ويعود للسيدة ماليني جلرجاني، حين توقفت أمام الجاليري سيارة «فيراري»، وهبط منها رجل مائل الى النحافة أو الرشاقة بقامته الطويلة وشعره الابيض، وقد تفاجأت أو حتى بهتت حين رأيت الرجل حافي القدمين، وهو يترجل من ال «فيراري»، ويصافحنا في طريقنا الى داخل الغاليري، حيث استقبلته السيدة ماليني جلرجاني وهي سيدة هندية محترمة، بسيطة وعفوية في ابتسامتها وفي أناقتها، وعلى درجة عالية من الثقافة في حقل الفنون وتاريخها القديم والحديث، وأسّست في دبي غاليري 1×1، وفي ذلك اليوم كنت محظوظاً بمصادفة اعتبرتها ليست عادية كما يقولون، ذلك أن الرجل حافي القدمين، الذي صافحته قبل قليل، وقبضت على يده النحيلة القوية كان الرسام الهندي الشهير م. ف. حسين.
لم يمكث الرسام العالمي طويلاً، وأذكر أنه كان قليل الكلام، لكنني حين تعرفت اليه عن قرب، عرفت أنه يتوجب عليّ أن أصغي لكل كلمة ينطقها هذا الرجل الذي يرفض أن يرتدي حذاء طوال حياته، وحينها، كان يدور حديث ثنائي بين الفنان العالمي الإماراتي حسن شريف، وبين الفنان العالمي الهندي حسين، وإن كنت قد أسفت أو ندمت على لحظة صحفية بالغة الأهمية في حياتي المهنية، فهي تلك اللحظة في ذلك اليوم، حيث لم أسجل وقائع ذلك اللقاء بين الفنانين، واكتفيت بالإصغاء، لأقرأ بعدها بعضاً من شعري أمام تلك السيدة وأمام حسن شريف ومحمد كاظم في ذلك الغاليري المهم.
لم يكن لديّ ما هو مكتوب في ذلك اللقاء، ولكن لديّ الصورة، تلك الصورة الوثيقة من حيث أهمية الأشخاص الذين يقفون بها، وإذا أردت منها أن الصورة تلك تروي تلك الحكاية، حكاية فنان مليونير، عفويّ الابتسامة، أنيق هو الآخر، حتى لو لم يكن يرتدي حذاءً.
رسّام لا يرتدي حذاءً
6 أبريل 2026 00:10 صباحًا
|
آخر تحديث:
6 أبريل 00:10 2026
شارك