سعدتُ بحضور ندوة: «بنظهر أقوى: الأزمات واستدامة الجاهزية الإماراتية»، التي نظّمها مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، برفقة نخبة من الخبراء والباحثين والأكاديميين وصناع القرار. وقد اُقتبس عنوان الندوة من عبارة قويّة وبليغة لصاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، خلال زيارة سموّه لعدد من مصابي الاعتداءات الإيرانية السافرة في 7 مارس المنصرم. والعبارة المُحمدية «ترانا بنظهر أقوى» تجسِّد الجاهزية الإماراتية بوصفها نهجاً راسخاً يجمع بين حكمة القيادة وكفاءة المؤسسات ووعي المجتمع.
وانطلاقاً من خطاب القيادة الرشيدة، عملت دولة الإمارات على بناء حالة وطنية شاملة من التأهب والجاهزية في مختلف القطاعات وعلى مدار زمني متصل، دفع بكثيرين للتعجب، وقليلين للإعجاب بالجهد الإماراتي المبذول لتحقيق ذلك دونما أن يدرك جلهم الغاية الحيوية من وراء ذلك.
فالجاهزية في دولة الإمارات ليست وليدة أزمة أو موقف فردي، بل هي نهج مؤسسي مستقر ومتراكم. فقد أطلقت دولة الإمارات «علامة الجاهزية للمستقبل: جاهز للمستقبل»، وهي علامة وطنية أطلقها مكتب التطوير الحكومي والمستقبل في حكومة دولة الإمارات، وتُمنح لمشاريع المؤسسات الحكومية الاتحادية والمحلية التي تعزز جاهزية الحكومة والدولة للمستقبل، عن طريق تصميم وتطوير وتنفيذ مبادرات ومشاريع استباقية واستثنائية، تتبنى رؤى وأفكاراً مستقبلية جريئة وعملية تحقق نتائج واضحة ومحددة وملموسة وإنجازات بشكل عملي ومؤثر، وتستثمر في مهارات المستقبل وتعتمد التكنولوجيا المتقدمة.
وتركز علامة الجاهزية للمستقبل على مشاريع الجاهزية التي يتم تصميمها في قطاعات المستقبل ذات الأولوية، مثل الاقتصاد الجديد، والتكنولوجيا المتقدمة، والأمن الغذائي والمائي، والاستدامة البيئية، ومهارات المستقبل، وجودة الحياة. أما على المستوى القطاعي، فقد أُطلق برنامج الإمارات للجاهزية والاستجابة الطبية «جاهزية» بمبادرة من مكتب فخر الوطن وأطباء الإمارات في بادرة تعد هي الأولى من نوعها في المنطقة، تهدف إلى بناء قدرات خط الدفاع الأول وزيادة جاهزيتها وتأهبها للاستجابة الطبية في حالات الطوارئ والكوارث والأزمات، من خلال منهج موحد ومعتمد دولياً وبشراكة استراتيجية مع شركة أبوظبي للخدمات الصحية «صحة»، وكلية فاطمة للعلوم الصحية، والمؤسسة الوطنية للتدريب «تدريب»، في إطار تعاونهم المشترك لتزويد العاملين في خط الدفاع الأول في الإمارات ببرامج تدريبية موحدة ومعتمدة دولياً لإدارة الطوارئ والكوارث تتبع المعايير العالمية لطب الطوارئ والأزمات.
كما دشنت أعمال الملتقى الوطني للاستجابة للطوارئ «استجابة»، الذي ينظمه برنامج الإمارات الوطني للجاهزية والاستجابة «جاهزية»، ضمن خطة استراتيجية تستهدف تدريب 20 ألفاً من كوادر خط الدفاع الأول في القطاعات الصحية والإسعافية والأمنية والحيوية، وفق منهج وطني موحد ومعتمد.
وعلى مستوى الموارد البشرية، يُعد «جاهز» أحد المشاريع التحولية الكبرى التي أطلقتها حكومة دولة الإمارات، بهدف تعزيز جاهزية المواهب الحكومية الاتحادية، ودعمها بمهارات المستقبل.
وعلى مستوى الدفاع المدني، أطلقت القيادة العامة للدفاع المدني في دبي مبادرة جاهزية المليار كبرنامج إنساني عالمي، يهدف إلى تدريب مليار شخص حول العالم بحلول عام 2027، بهدف تعزيز الوعي بالسلامة من الحرائق، ورفع مستوى الجاهزية العالمية للطوارئ. وتُعد هذه المبادرة إحدى المبادرتين الرئيستين إلى جانب قوافل الأمل، وتهدفان معاً إلى تعزيز قدرات الوقاية والاستجابة لمخاطر الحرائق على مستوى العالم، بهدف إحداث نقلة نوعية في مجال السلامة من الحرائق عالمياً، من خلال نشر ثقافة الوقاية والاستعداد عبر التعليم الجماهيري والتدريب المتاح للجميع، وذلك بمشاركة 34 دولة، بمساندة 16 منظمة إطفاء رئيسية لينتج عنها تدريب مليار شخص حول العالم على أسس الوقاية والسلامة من الحرائق.
وعلى المستوى العسكري، تعرّضت دولة الإمارات، منذ 28 فبراير المنصرم وحتى 6 إبريل/نيسان الجاري، لهجمات إيرانية عدائية سافرة، قدرت بأكثر من 2755 صاروخاً باليستياً وجوالاً وطائرة مسّيرة، بنسبة 57% من الصواريخ والمسيرات التي أطلقتها إيران على دول مجلس التعاون الخليجي. ومن المفارقة أنّ دولة الإمارات كانت أقل الدول تضرراً من حيث الخسائر المادية، والأعلى من حيث نسبة تحييد الهجمات الصاروخيّة والجوية الإيرانية، التي بلغت نحو 96%. وقد ألقيتُ الضوء على كفاءة الدفاع الجوي الإماراتي في مقال سابق على صفحات الخليج بعنوان: «درع السماء الخليجية»، ما يكشف بجلاء عن اليقظة الدائمة والجاهزية العالية التي أسستها كافة مؤسسات وأجهزة الدولة على مدار سنوات من العمل للتعامل مع مختلف المخاطر.
ولعل أبلغ أثر لهذه الجاهزية التي أسستها الدولة أن حياة الأفراد العاديين لم تتأثر في مختلف الأنحاء بدولة الإمارات، لتستمر دولة الإمارات واحة للأمن والاستقرار ونموذجاً للجاهزية والتأهب في زمن اللايقين.
وأحب أنْ أختم هذا الحديث بجزء من مداخلة د. سيف الظاهري، المتحدث باسم الهيئة الوطنية لإدارة الطوارئ والأزمات والكوارث، حيث أوضح «أن قصة الإمارات هي قصة شعب أتقن الجاهزية وحوّل التحديات إلى فرص، وأن الجاهزية فيها ليست ردّ فعل، بل نهج دولة.. لا ننتظر الأزمات، بل نسبقها ونصنع منها النجاح».
الجاهزية الاستباقية الإماراتية
9 أبريل 2026 00:18 صباحًا
|
آخر تحديث:
9 أبريل 00:18 2026
شارك